قال الكاتب ميخائيل ميلشتاين إن الجبهة السورية كانت، منذ 7 أكتوبر 2023، أقل الجبهات تعقيداً بالنسبة لإسرائيل، مقارنة بميادين غزة ولبنان وإيران واليمن؛ إذ بدا الثمن هناك أقل، والقدرة الإسرائيلية على الحركة العسكرية شبه مطلقة، بعدما انهار نظام الأسد وفتح فراغاً هائلاً سمح لإسرائيل بالتمدد ميدانياً دون مقاومة ذات معنى.
وأضاف ميلشتاين، في مقال نُشر بصحيفة "يديعوت"، أن سقوط النظام السوري – العدو التقليدي وحليف طهران الرئيس – أتاح لإسرائيل تنفيذ خطوات دراماتيكية خلال العام الماضي، بما شمل السيطرة على مناطق متاخمة للحدود، مأهولة بالسكان، بذريعة الدفاع ضد محافل معادية، وتدمير البنية التحتية للجيش السوري خشية وقوعها في يد منظمات مسلحة، إلى جانب الحفاظ على حرية عمل شبه تامة طوال الأشهر الماضية.
مشهد «احتلال مريح»
تحت هذا الهدوء الذي يتحدث عنه الكاتب، تكررت مشاهد ذكّرت الإسرائيليين – كما يشرح ميلشتاين – بما حدث بعد حرب 1967، حين أُنشئت “مناطق” مفتوحة بلا حواجز سياسية أو عسكرية حقيقية. ففي المناطق السورية التي سيطر عليها الجيش خلال العام الماضي، بدأ مواطنون إسرائيليون القيام برحلات، وظهرت مجموعات شبابية تسعى إلى إقامة مستوطنات، مستندة إلى خطاب ديني–قومي يعتبر تلك الأراضي “جزءاً من بلاد إسرائيل” لا من سورية. ويضيف الكاتب أن الطبيعة الوردية التي صوّرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية في تقارير شاعرية عن “الحياة في سورية” عززت هذا الوهم، فيما كان رئيس الوزراء يحرص بين حين وآخر على تنظيم زيارات مُعلنة لتلك المناطق، مؤكداً أنها حيوية للأمن ولا يمكن التنازل عنها.
لكن هذه الأجواء اصطدمت فجأة، كما يقول ميلشتاين، بحادثة بيت جن القاسية في نهاية الأسبوع، حين حاولت قوات إسرائيلية اعتقال نشطاء من تنظيم «الجماعة الإسلامية» – الفرع السوري لـ«الإخوان المسلمين» – فاندلع اشتباك عنيف قُتل خلاله نحو 15 سورياً وأصيب ستة جنود. ويعتبر الكاتب أن الحادثة شكلت “رصاصة إيقاظ” تنهي الوهم القائم على إمكانية إدارة منطقة محتلة وسكانها دون ثمن أو مقاومة، وهو درس سبق أن تجاهلته إسرائيل مرات كثيرة في تاريخ احتلالاتها.
غضب سوري متصاعد
يشير ميلشتاين، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق، إلى أن الاشتباك وقع في يوم يحيي فيه السوريون ذكرى سقوط نظام الأسد، الأمر الذي حوّل مسيرات التضامن إلى مظاهرات غاضبة ضد “الاحتلال الإسرائيلي”، وهو ما يُخلخل المعادلة التي اعتمدت عليها إسرائيل طوال العام الماضي. ويضيف أن دخول الرئيس السوري أحمد الشرع على الخط قد يكون نقطة تحوّل خطيرة؛ فالأخير، الذي يراه ترامب والعالم العربي “أملاً لنظام جديد مستقر”، قد يجد مصلحة في تشجيع أعمال ضد إسرائيل لتعزيز شرعيته القومية.
ويحذر الكاتب من أن أي دعم علني من الشرع للمقاومة سيضع إسرائيل في معضلة مركّبة، لأن واشنطن – الحليف الأكبر – لن تسمح بتصعيد عسكري واسع ضد النظام السوري الجديد الذي تراهن عليه، خصوصاً بعد الحادثة التي وقعت في يوليو الماضي عندما هاجمت إسرائيل منشآت للنظام رداً على أحداث ضد الدروز، وهو الهجوم الذي قوبل بنقد دولي قاسٍ دفع واشنطن إلى مطالبة إسرائيل بوقف عملياتها فوراً.
محادثات تحت الرعاية الأمريكية
وفي خلفية الاحتكاكات، يلفت ميلشتاين إلى أن واشنطن ترعى منذ أشهر محادثات سياسية بين سوريا وإسرائيل لصياغة تسوية أمنية جديدة، تُعد بمثابة تطوير لاتفاق “القوات” لعام 1974، الذي أعقب حرب «يوم الغفران». ويوضح أن الشرع يصرّ على أن الانضمام إلى «اتفاقات إبراهيم» أو الحديث عن سلام شامل لن يكون مطروحاً طالما بقيت إسرائيل مسيطرة على الجولان. وبينما يصف وزراء إسرائيليون الشرع بأنه “داعش يرتدي بدلة”، ويطالبون علانية بتصفيته، يجلس مسؤولون آخرون مع وزير الخارجية السوري، بحثاً عن اتفاق يعيد ترتيب قواعد اللعبة.
ويرى الكاتب أن المفارقة تكمن في أن إسرائيل، بعد عام من الهدوء النسبي، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف مصالحها في سورية بدقة: هل تتمسك بالسيطرة الميدانية الحالية؟ أم تتجه نحو تسوية سياسية قبل أن تُفرض عليها خيارات من الخارج، كما حدث في غزة؟ ويقول إن تجاهل هذا السؤال يجعل إسرائيل عُرضة لفقدان السيطرة على المشهد.
تهديدات من كل الاتجاهات
يؤكد ميلشتاين أن سورية بعد الأسد مليئة بالتهديدات: نظام جديد غير مستقر، جماعات محلية معادية، مجموعات تخطط لعمليات مسلحة على الحدود، إلى جانب تركيا التي ترسخ نفوذها في المنطقة بغطاء دولي، وإيران التي تعمل على إعادة بناء قدراتها داخل سورية. ويضيف أن هذه التهديدات تبرر، من وجهة نظر المؤسسة الأمنية، كل أشكال الوجود العسكري الإسرائيلي في “القاطع الأمني الجديد”، بما في ذلك استمرار حرية العمل لمنع تهديدات ناشئة.
لكن، في المقابل، تشكل حادثة بيت جن – كما يكتب ميلشتاين – إنذاراً مبكراً على احتمال اتساع التحديات خلال الفترة القريبة، بما في ذلك تصاعد حرب العصابات، واحتكاكات مع السكان في المناطق المحتلة، وربما تشجيع النظام السوري على إطلاق انتفاضة شعبية، ناهيك عن الضغط الدولي المتوقع على إسرائيل للانسحاب والتقدم نحو تسوية سياسية بسرعة أكبر مما ترغب.
سيناريوهات إسرائيل السيئة
يستعيد ميلشتاين الدروس التي ظهرت في جبهات أخرى منذ أكتوبر، ليقول إن إسرائيل تقف اليوم في سورية أمام “عدة بدائل سيئة، وسيكون عليها اختيار الأقل سوءاً”. ويشير إلى أن اتفاقاً – حتى لو تضمن انسحاباً من المناطق المحتلة – قد يكون أهون الشرور، بشرط ضمان حرية إسرائيل الكاملة في العمل ضد تهديدات أمنية مثل إنشاء بنى تحتية للمقاومة أو تهريب السلاح من إيران و«حزب الله»، وتجريد الجنوب السوري من السلاح، وتقليص النفوذ التركي، وتعميق الوجود الأمريكي.
ويضيف أن إسرائيل بحاجة إلى ذلك قبل أن تنزلق إلى جبهة مواجهة إضافية، في وقت تستعد فيه لاحتمال مواجهة واسعة مع «حزب الله»، وجولة جديدة ضد إيران لضمان ضرب برنامجها النووي بعمق. ولهذا، يحذر الكاتب من أن انشغال إسرائيل بساحة سورية جديدة سيقتطع من قدرتها الاستراتيجية على التركيز على تحديات أخطر.
وهم السيطرة بالقوة
يختتم ميلشتاين بالقول إن ما تحتاجه إسرائيل اليوم هو التخلص من المفهوم الذي ترسّخ بعد 7 أكتوبر، والقائم على أن القوة والسيطرة على الأرض توفران الأمن؛ وهو مفهوم أثبت فشله في غزة ولبنان وسورية. ويضيف أن الأوهام حول “اختفاء أعداء” أو “تحقيق انتصارات مطلقة” لا تتناسب مع واقع إقليمي متغير، إذ تتحرك فيه قوى دولية – وعلى رأسها واشنطن – لرسم حدود جديدة لدور إسرائيل، بينما تستعد أنظمة عربية وإقليمية لملء الفراغات الناتجة عن ضعفها السياسي.










