تصاعدت التوترات السياسية في إسرائيل بعد أن تحوّل طلب العفو الذي قدمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ إلى شرارة غضب شعبي وسياسي واسع، إذ احتشد عشرات الإسرائيليين أمام منزل نتنياهو في القدس الغربية للمطالبة برفض العفو واستكمال محاكمته في ملفات الفساد الثقيلة التي تواجهه. وبينما تدافع أحزاب الحكومة عن نتنياهو، تُصرّ المعارضة على أنه لا يملك الحق في العفو دون اعتراف بالذنب ودون الخروج من الحياة السياسية.
لماذا يهمّ الأمر؟
الاحتجاجات غير المعتادة ضد رئيس الحكومة في قلب القدس تعكس عمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، كما تكشف هشاشة الوضع السياسي داخل الائتلاف الحاكم، خاصة مع تصاعد المطالب بإجراء لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر. ويُظهر الجدل حول العفو أن إسرائيل تمرّ بلحظة سياسية حادة، تتقاطع فيها الفضيحة، والشارع، والسلطة القضائية، والضغوط الأمريكية غير المباشرة، خصوصًا مع تذكير المتظاهرين بأن إسرائيل "ليست محمية لترامب".
ما الذي يحدث؟
نظم إسرائيليون، اليوم الثلاثاء، وقفة احتجاجية أمام منزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القدس الغربية، احتجاجًا على طلبه العفو من الرئيس الإسرائيلي بشأن تهم الفساد التي يحاكم فيها. وكانت صحيفة هآرتس قد أشارت إلى أن الوقفة نُظمت أمام المقر الرسمي لنتنياهو، دون تحديد عدد المتظاهرين، مؤكدة أن الغضب الشعبي يتصاعد بشكل ملحوظ منذ تقديم الطلب الأحد الماضي.
ويأتي هذا التحرك بعد أن وجّه نتنياهو طلبًا رسميًا للرئيس إسحاق هرتسوغ للحصول على عفو من تهم الفساد التي تلاحقه أمام القضاء، وهو الطلب الذي فجر موجة انتقادات سياسية واسعة في أوساط المعارضة، التي قالت إن الوثيقة التي تقدم بها نتنياهو تخلو من أي إقرار بالذنب أو تعهد بالخروج من الحياة السياسية، وهو ما يجعل العفو — وفق رأيهم — التفافًا على العدالة.
ما وراء الكواليس:
أحزاب الائتلاف الحاكم وقفت بدورها إلى جانب نتنياهو، معتبرة أن مواصلة محاكمته تعرقل عمل الحكومة وتضعف جبهتها الداخلية في مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية. غير أن المتظاهرين رفعوا شعارات حادة ضد العفو، بينها: "إسرائيل ليست محمية لترامب"، في إشارة مباشرة إلى طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح نتنياهو عفوًا كاملًا.
كما طالب المتظاهرون باستكمال التحقيقات، وتقديم المسؤولين للعدالة، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في مجزرة 7 أكتوبر 2023، وهو اليوم الذي نفذت فيه حركة حماس هجومًا واسعًا على مستوطنات وقواعد قريبة من غزة، أدى إلى قتلى وجرحى وأسر إسرائيليين، في ظل ما وصفوه بـ"فشل حكومي كارثي" لم يُحاسَب أحد عليه حتى الآن.
ما يقولونه:
سكرتير الحكومة يوسي فوكس قال في تصريحات لإذاعة "كول بيراما" الإسرائيلية إن نتنياهو "لن يعترف بأي مخالفات" ولن يقدم شيئًا مقابل أي عفو محتمل، مشددًا على أن رئيس الوزراء "لا يزال يؤمن ببراءته" في جميع الملفات التي يُحاكم فيها.
أما الرئيس إسحاق هرتسوغ، فعبّر في بيان رسمي عن أن طلب العفو "يثير جدلًا واسعًا وقلقًا بالغًا لدى كثيرين في البلاد"، مؤكدًا أنه سيتعامل مع الطلب "بدقة وموضوعية" مع مراعاة "المصلحة العليا لإسرائيل والمجتمع الإسرائيلي".
نظرة قريبة:
يدخل نتنياهو مع هذا التطور في واحدة من أعقد لحظاته السياسية؛ فهو يواجه ثلاثة ملفات فساد ضخمة قد تضعه في السجن في حال إدانته:
الملف 1000: يتعلق بتلقيه وأفراد من عائلته هدايا ثمينة من رجال أعمال مقابل تقديم تسهيلات لهم في عدة مجالات.
الملف 2000: يشمل مفاوضات بين نتنياهو وناشر صحيفة يديعوت أحرونوت أرنون موزيس للحصول على تغطية إعلامية إيجابية.
الملف 4000: يتصل بتقديم مزايا للمالك السابق لموقع واللا الإخباري شاؤول إلوفيتش — والمسؤول في شركة "بيزك" — مقابل تغطية إيجابية لصالح نتنياهو.
هذه الملفات الثلاثة تمثّل ضلعًا ثابتًا في كل خلاف سياسي داخل إسرائيل منذ سنوات، وقد أعادت الاحتجاجات الأخيرة تذكير الشارع بأن القضية لم تُطوَ رغم انشغال البلاد بالحرب وأحداث 7 أكتوبر وما أعقبها من تداعيات.
نظرة أوسع:
الاحتجاجات أمام منزل رئيس الحكومة تُعيد فتح ملف العلاقة بين السلطة والقضاء في إسرائيل، خاصة مع تزايد الاتهامات لنتنياهو بمحاولة استخدام موقعه التنفيذي لحماية نفسه من المحاكمة. كما تشير إلى أن انقسام الشارع الإسرائيلي يتعمق في ظل حرب مستمرة، واتهامات متبادلة بالفشل، وتآكل الثقة بالمؤسسات.
الواقع:
المشهد الحالي يكشف عن أزمة سياسية وقضائية متفاعلة: رئيس وزراء يطلب عفوًا دون اعتراف بالذنب، شارع يحتج، معارضة تتهمه بالهروب من العدالة، ورئيس دولة يدرس الطلب بعناية خوفًا من انفجار داخلي جديد. وبين ملفات الفساد الثلاثة، واستحقاقات الحرب، والضغط الشعبي والسياسي، يبدو أن إسرائيل مقبلة على مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث لا يبدو أن أي طرف قادر على تقديم تنازل دون أن يخسر موقعًا أو جمهورًا أو شرعية سياسية.










