20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

غزة تحسم موقفها: مهلة توبة محددة.. ولا مكان للخونة

أعلنت أجهزة أمن المقاومة في غزة فتح باب التوبة أمام جميع العناصر المتعاونة مع الميليشيات المدعومة من الاحتلال لمدة عشرة أيام فقط، وهي خطوة تحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة.

بقلم: عمرو المصري
٥ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
8 مشاهدة
حسام الأسطل وياسر ابو شباب

حسام الأسطل وياسر ابو شباب

أعلنت أجهزة أمن المقاومة في غزة فتح باب التوبة أمام جميع العناصر المتعاونة مع الميليشيات المدعومة من الاحتلال لمدة عشرة أيام فقط، وهي خطوة تحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع. وتشير هذه الدعوة إلى أن المقاومة، رغم الحرب والقصف والتجويع، ما زالت متمسكة بضبط الأمن الداخلي وصون السلم المجتمعي، من خلال منح فرصة عادلة لكل من تورط في الارتباط بشبكات تخدم جيش الاحتلال أو تعمل على إضعاف الجبهة الداخلية.

المصدر القيادي الذي تحدّث للتلفزيون العربي أوضح أن القرار يستند إلى "معايير وطنية ومسؤوليات اجتماعية"، وهو طرح يعكس إدراك المقاومة لطبيعة المعركة الدائرة اليوم، حيث لا تقتصر المواجهة على الجبهة العسكرية، بل تشمل جبهة أمنية تسعى إسرائيل عبرها لتمزيق النسيج الداخلي باستخدام أدوات محلية وظيفية. وتزامنت هذه الخطوة مع تأكيد المقاومة أنها لن تتساهل مع من يرفض التوبة، وهو ما يربط بين منح الفرصة لمن يراجع نفسه وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية.

المجتمع يرفع الغطاء

ثمنت المقاومة المواقف العشائرية التي أعلنت رسميًا رفع الغطاء الاجتماعي عن كل المتورطين في التعاون مع الاحتلال، وهو موقف يُظهر يقظة المجتمع الفلسطيني وإصراره على حماية ساحته الداخلية من الاختراقات الأمنية. وقد بات واضحًا في الأسابيع الأخيرة أن مجتمع غزة، رغم القصف اليومي وتدمير البيوت وانقطاع المساعدات، ما زال يرفض بشكل قاطع محاولات تل أبيب صناعة بيئات محلية بديلة تخدم مشروعها.

ويؤكد هذا الاتجاه الشعبي أن العائلات الفلسطينية باتت أكثر وعيًا بضرورة حماية مجتمعها من أي تصدعات قد تنتج عن تسلل العملاء، خصوصًا أن الاحتلال يستغل ضعف الخدمات والظروف الإنسانية لتجنيد بعض الأفراد. وقد ساهمت هذه المواقف في تعزيز قوة القرار الأخير للمقاومة، وإعطائه شرعية اجتماعية واضحة تُظهر تماسك الجبهة الداخلية رغم حجم الإبادة التي تتعرض لها غزة منذ أكتوبر 2023 بدعم أمريكي مباشر.

سقوط أبو شباب نموذجاً

مثّلت نهاية ياسر أبو شباب، قائد الميليشيا الموالية للاحتلال في رفح، نموذجًا مكشوفًا لسقوط مشروع الخيانة الذي حاولت إسرائيل فرضه داخل غزة تحت غطاء “قوات محلية” تعمل خارج السياق الوطني. فقد قُتل أبو شباب في اشتباك مسلح مع أفراد من عائلة أبو سنيمة، وفق ما أعلنت جماعته على فيسبوك، وهو حادث ترافق مع روايات إسرائيلية متضاربة تعكس حجم الارتباك داخل الإعلام العبري.

وأظهرت الحادثة أن الميليشيات التي حاول الاحتلال هندستها لا تحظى بأي مكان آمن داخل المجتمع الفلسطيني، وأن من يختار خدمة الاحتلال يعيش خارج مظلة الحماية الاجتماعية، ما يجعل النهاية الحتمية لمثل هذه النماذج مرتبطة بالعزلة والانهيار. وحتى داخل الرواية الإسرائيلية، أُشير بوضوح إلى أن أبو شباب كان "المطلوب الأول في غزة"، في دلالة على أن الاحتلال نفسه لم يكن قادرًا على تأمينه رغم استخدامه كأداة مؤقتة.

عشائر تواجه الخيانة

بيان عشيرة أبو سنيمة، التي فقدت أبناءً لها في اشتباك مع مجموعة أبو شباب، أكد أن العائلة “واجهت فئة خارجة عن قيم المجتمع الفلسطيني”، وهو موقف يتجاوز حدود الاشتباك ليشكل إعلانًا واضحًا بأن المجتمع الفلسطيني لن يسمح بوجود حاضنة للخيانة، حتى في ذروة الحرب.

وتُعد هذه العشيرة من أبرز العائلات المدافعة عن غزة، خصوصًا بعد المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في يناير 2024 حين قصف منزلًا لها وأسفر عن استشهاد أكثر من تسعة من أفرادها. لذلك، فإن موقفها الأخير يُظهر حجم الوعي الوطني لدى العائلات الفلسطينية التي تخوض معركتها ضد الاحتلال على جبهتين: جبهة العدوان وجبهة العملاء الذين يُستخدمون كأدوات ضغط في لحظات الضعف. وقد نشرت العشيرة أسماء شهدائها محمود محمد أبو سنيمة وجمعة محمد أبو سنيمة، مؤكدة أن الدفاع عن المجتمع واجب لا يمكن التنازل عنه.

حماس ورسالة الحسم

أكدت حركة حماس أن مصير أبو شباب يمثل "رسالة واضحة لكل من خان شعبه"، مشددة على أن الاحتلال عاجز عن حماية أي من أدواته الميدانية، وأن من يختار طريق التعاون مع العدو يختار طريق السقوط. واعتبرت الحركة أن لجوء الاحتلال إلى عصابات محلية هو اعتراف بفشله الميداني في مواجهة المقاومة التي صمدت رغم الإبادة الشاملة.

وأوضح بيان الحركة أن الشعب الفلسطيني، بكل مكوناته، لن يشكل يومًا بيئة حاضنة للخونة، وأن وحدة الفلسطينيين أقوى من محاولات الاحتلال صناعة كيانات بديلة تفتقد الشرعية والتمثيل الاجتماعي. وقد جاء هذا البيان في وقت يشهد القطاع حملة عدوان غير مسبوقة، ما يعزز أهمية الرسالة بأن الخيانة لا تُبرَّر بالحرب ولا تُغتفر بالظروف.

إخفاق هندسة الاحتلال

التضارب الكبير في التغطية الإعلامية الإسرائيلية لمقتل أبو شباب يكشف حجم الفشل في المشروع الذي حاولت إسرائيل تصديره إلى غزة، وهو مشروع يقوم على خلق مجموعات تعمل كأذرع أمنية محلية تخدم المصالح الإسرائيلية. ورغم أن القنوات العبرية قدّمت روايات متناقضة — بين “اغتيال داخلي” و“قتل على يد مجهولين” و“اشتباك مع المقاومة” — إلا أن الثابت الوحيد هو اعتراف المنظومة الإعلامية بفشل التجربة.

وقد أقرّ مسؤولون أمنيون إسرائيليون بأن تشكيل ميليشيات محلية في غزة “مصيره القتل”، مؤكدين أن الاحتلال يكرر خطايا جنوب لبنان، حين تخلّى عن أدواته بعد انتهاء دورها. وهذا الاعتراف العلني يكشف أن إسرائيل نفسها تدرك أن المجتمع الفلسطيني لا يمكن اختراقه بإعادة إنتاج وكلاء محليين، وأن أي محاولة لفرض مثل هذه النماذج محكومة بالسقوط بسبب غياب الحاضنة الاجتماعية.

رسالة المقاومة للخونة

تزامن فتح باب التوبة مع سقوط أبو شباب ليشكل رسالة مزدوجة: الأولى إنسانية وأخلاقية تمنح فرصة للعودة إلى الصف الوطني، والثانية أمنية واضحة تؤكد أن الخيانة ليست طريقًا آمنًا ولا مشروعًا قابلًا للحياة داخل غزة. وفي ظل العدوان المستمر، يصبح تمتين الجبهة الداخلية شرطًا أساسيًا لحماية المجتمع، وهو ما تدركه المقاومة جيدًا.

وتؤكد الوقائع أن غزة، رغم الحرب والحصار، ما زالت قادرة على حماية وحدتها الداخلية ومنع أي محاولة لاختراقها. فالعائلات ترفع الغطاء، والمجتمع يرفض الخيانة، والمقاومة تمنح فرصة للتوبة ثم تحسم موقفها. وبين هذين المسارين، تتشكل معادلة واضحة: من يعود يُستقبل، ومن يواصل طريق العملاء ينتهي خارج الحماية الاجتماعية، تمامًا كما انتهى مشروع أبو شباب.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال