20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تونس على حافة الانفجار: إضراب عام في يناير ينذر بموجة احتجاجية جديدة

قرر الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة النقابية الأكبر والأكثر تأثيراً في البلاد، العودة بقوة إلى ساحة المواجهة. سينفذ الاتحاد إضراباً عاماً شاملاً يوم 21 يناير القادم.

بقلم: عمرو المصري
٥ ديسمبر ٢٠٢٥
10 دقائق قراءة
10 مشاهدة
مظاهرات اتحاد الشغل في تونس - أرشيفية

مظاهرات اتحاد الشغل في تونس - أرشيفية

قرر الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة النقابية الأكبر والأكثر تأثيراً في البلاد، العودة بقوة إلى ساحة المواجهة. سينفذ الاتحاد إضراباً عاماً شاملاً يوم 21 يناير القادم، في خطوة تعيد إلى الأذهان لحظات فارقة في تاريخ تونس الحديث. يُعد هذا القرار تصعيداً كبيراً يؤشر إلى انهيار كامل لقنوات الحوار بين النقابة العمالية المهيمنة والسلطة التنفيذية الحالية.

جاء الإعلان عن هذا التحرك بعد اجتماع طارئ للهيئة الإدارية للاتحاد يوم الجمعة. وُصف القرار بأنه دفاع عن جملة من المبادئ، أبرزها الحقوق والحريات الأساسية، وحرية العمل النقابي المستقل. يأتي هذا التصعيد كرد فعل مباشر على سياسة الإغلاق المتعمدة التي تنتهجها السلطة التنفيذية، حيث أُغلقت جميع أبواب الحوار الرسمي مع المنظمات النقابية، مما دفع بالاتحاد إلى تبني لغة الشارع والاحتجاج الجماهيري.

انقطاع الحوار وتصاعد الأزمة

تشهد الساحة التونسية حالة من الجمود والتعطيل المتعمد للحوار الاجتماعي منذ عدة أشهر. تحول هذا الجمود إلى قطيعة تامة بين الطرفين الرئيسيين: الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة التنفيذية. يتفاقم هذا الانسداد في مناخ عام يتسم بالتأزم الحاد على جميع المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يخلق بيئة خصبة للتصعيد.

يتم توطيد هذا الواقع المأزوم عبر سلسلة من القرارات الأحادية الصادرة عن الحكومة. تتعامل هذه القرارات مع الملفات الشائكة دون أي تشاور أو تفاوض مع الشركاء الاجتماعيين، وخاصة الاتحاد النقابي. يُنظر إلى هذا النهج على أنه محاولة لإقصاء النقابات وتهميش دورها التاريخي كفاعل أساسي في المعادلة السياسية والاجتماعية التونسية، مما يدفع بالصراع نحو مجاهل غير مأمونة العواقب.

احتقان سياسي غير مسبوق

وصف سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للاتحاد، الوضع الحالي بأنه "احتقان سياسي غير مسبوق". أكد الطاهري في تصريحاته أن البلاد تمر بمرحلة بالغة التعقيد والصعوبة، حيث يتم المساس بشكل منهجي بالحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنين. تترجم هذه السياسة إلى حملات اعتقال واسعة طالت سياسيين ونقابيين ومحامين ونخباً فكرية ومدونين، في إطار يشبه التطهير السياسي والقمع المنظم للمعارضة.

وأوضح الطاهري أن جوهر الأزمة الحالية هو سياسي بامتياز، مما يعني أن جميع المشاكل الأخرى مترابطة به. سواء كانت هذه المشاكل اجتماعية كالبطالة والفقر، أو اقتصادية كالتدهور المعيشي، فإنها لن تجد حلاً في ظل مناخ سياسي محتقن ومغلق. كما ربط الطاهري استمرار الأزمة بالعمل بـ"المرسوم 54" القمعي، الذي يُستخدم - حسب وصفه - كأداة قانونية لتجريم الرأي الآخر ومصادرة حرية التعبير تحت ذرائع أمنية فضفاضة.

تسييس القضاء واستهداف المعارضة

أشار الطاهري إلى أن السلطة القضائية باتت "مسلطة ضد كل معارض"، في إطار عملية تسييس منهجية لمؤسسات الدولة. تحولت السجون إلى وجهة مفتوحة أمام أي صوت معارض أو ناقد، بغض النظر عن سمعته أو تاريخه النضالي. هذا المناخ من القمع لم يستثن شخصيات وطنية بارزة تحظى بمصداقية شعبية عريضة، مما يزيد من حدة الاستقطاب ويقوض أي أمل بالمصالحة الوطنية.

من بين الشخصيات التي تم ذكرها كأمثلة على هذا الاستهداف: أحمد نجيب الشابي رئيس جبهة الخلاص الوطني، وعصام الشابي، والعياشي الهمامي، والقاضي الإداري السابق أحمد صواب. شدد الطاهري على أن سجن مثل هذه الشخصيات، التي لا يُشك في وطنيتها أو نضالها السلمي، يؤكد الطبيعة السياسية البحتة للمواجهة. وبالتالي، فإن أي حل حقيقي للأزمة لن يكون تقنياً أو اقتصادياً، بل يجب أن يكون سياسياً في جوهره، من خلال فتح حوار شامل وإطلاق الحريات.

توقيت الإعلان ومراميه

كشف الطاهري أن قرار اعتماد الإضراب العام كأداة ضغط قد تم اتخاذه فعلياً منذ 7 سبتمبر 2024. لكن اختيار توقيت الإعلان الرسمي اليوم يأتي ليعكس تطوراً خطيراً في المسار العام. التوقيت الحالي هو ترجمة للظرف المتأزم الذي تتميز به المرحلة، والذي يتسم بضرب ممنهج لأدوات الحوار الاجتماعي، وحرمان النقابات من الحق الأساسي في التفاوض، واستهداف النشطاء النقابيين بالتخويف والملاحقة.

لذلك، فإن الإعلان اليوم ليس بداية القصة، بل هو ذروة تصاعدية في مسار طويل من الاحتقان المتراكم. يحمل هذا التوقيت رسالة واضحة مفادها أن صبر النقابة قد نفد، وأنها لم تعد ترى في الصمت أو الانتظار خياراً مجدياً. يُرسل الإعلان أيضاً إنذاراً قوياً بأن الاتحاد مستعد لاستخدام كل أدوات نضاله الشرعية، بما في ذلك الشارع، للدفاع عن وجوده ودوره.

تشابه مقلق مع 2011

أعرب الطاهري عن قلق عميق من أن الوضع الاجتماعي المتدهور والاحتقان السائد "يذكرنا بشهر يناير 2011". هذه المقارنة لا تخلو من دلالات عميقة وخطيرة، فهي تشير إلى أن الشروط الموضوعية للانفجار الاجتماعي باتت متوفرة من جديد. الفارق اليوم قد يكون في وعي السلطة والمعارضة بدروس الماضي، لكن التشابه في المقدمات يبقى مقلقاً ويستدعي اليقظة.

وأكد أن الخروج من هذا الواقع الصعب لا يمكن أن يتم بقرارات أحادية أو خطابات استعلائية. الحل الوحيد الممكن، حسب رؤية الاتحاد، يمر عبر قناة واحدة: حوار وطني شامل وجاد. يجب أن يقود هذا الحوار إلى عودة الحريات الأساسية، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين الذين سُجنوا بتهم باطلة أو في سياق صراع سياسي. أي حل آخر سيكون ترقيعاً مؤقتاً لن يعالج جذور الأزمة الهيكلية.

المطالب الثلاث للإضراب

حدد الطاهري ثلاثة مطالب رئيسية ستكون خلفية تنفيذ الإضراب العام. المطلب الأول والأساسي هو "فرض الحوار الاجتماعي" كآلية دائمة ومؤسسة، وليس كهدنة مؤقتة أو مناسبة استعراضية. يرفض الاتحاد الاستمرار في حالة الانقطاع ويطالب بإعادة فتح قنوات التفاوض بشكل فوري وفعال، مع الاعتراف بدور النقابات كشريك أساسي وليس كخصم.

المطلب الثاني هو "الدفاع عن حق التفاوض والحق النقابي". يتعلق هذا بالحفاظ على استقلالية العمل النقابي وحماية النشطاء من الملاحقة. أما المطلب الثالث فيتمثل في "رفض الزيادة في الرواتب" التي أدرجت في قانون المالية لسنة 2026، لأنها جاءت بقرار حكومي أحادي، من دون أي مفاوضات مع الاتحاد، مخالفة بذلك التقاليد والعرف المتبع منذ أكثر من خمسة عقود.

الاستفزاز الحكومي بالقانون

جاء قرار البرلمان التونسي، الخميس، بالمصادقة على قانون موازنة 2026 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. تضمن القانون بنداً مثيراً للجدل يمنح السلطة التنفيذية صلاحية زيادة رواتب موظفي القطاعين العام والخاص "بمقتضى أمر حكومي"، متجاوزاً بذلك المسار الطبيعي للمفاوضات الاجتماعية مع الاتحاد العام التونسي للشغل. يُنظر إلى هذا البند على أنه استفزاز متعمد وطعن في صلب الدور التاريخي للنقابة.

يمثل هذا التجاوز مخالفة صريحة للتقاليد والعرف الذي استمر لأكثر من خمسين عاماً، حيث كانت أي زيادة في الأجور أو المرتبات تمر حكماً عبر طاولة المفاوضات مع الاتحاد. تجاهل هذا المسار ليس خطأً إدارياً، بل هو رسالة سياسية واضحة تهدف إلى تهميش الاتحاد وتجريده من أهم أدوات نفوذه وقدرته على التفاوض لصالح العمال، مما يجعل الإضراب رداً حتمياً على هذا الاستفزاز.

اتهامات مباشرة للرئيس

وجه نور الدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد، اتهامات مباشرة وقاسية لنظام الرئيس قيس سعيد. قال الطبوبي إن النظام "يغرق تونس أكثر فأكثر في دوامة الأزمة السياسية والاجتماعية". حذّر من أن هذه الأزمة المركبة لن تُحسم "بالقرارات الفردية، ولا بالخطاب الأحادي"، مشدداً على أن الحل الوحيد يكمن في "الحوار الحقيقي" الذي يحترم مطالب الشعب وحقوق العمال.

جاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها الطبوبي أمام تجمع عمالي، على هامش إحياء ذكرى اغتيال الزعيم النقابي التاريخي فرحات حشاد. استخدام هذه المناسبة الرمزية القوية لإطلاق الرسالة أعطاها بُعداً تاريخياً ورمزياً عميقاً، حيث تم ربط النضال الحالي بسلسلة النضالات النقابية الطويلة في تونس. الربط بين الماضي والحاضر يهدف إلى توحيد الصفوف وتذكير السلطة بقوة الحركة العمالية وقدرتها على التغيير.

سلسلة احتجاجات متصاعدة

لا يأتي الإضراب العام المعلن من فراغ، بل هو تتويج لسلسلة متصاعدة من الإضرابات والاحتجاجات الجزئية التي شهدتها تونس مؤخراً. طالت هذه الاحتجاجات قطاعات حيوية متعددة، مثل النقل العام، والتربية والتعليم، والفلاحة، والتعليم الأساسي، وحتى القطاع المصرفي. كل هذه الاحتجاجات كانت تعبيراً عن غضب تراكمي ضد تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الأفق.

كانت المسيرة الاحتجاجية الكبيرة التي نظمت يوم 4 ديسمبر 2025 في العاصمة تونس، بمناسبة الذكرى 73 لاغتيال فرحات حشاد، مؤشراً واضحاً على حدة الغضب الشعبي. مثلت هذه المسيرة محطة مهمة في تصعيد الحراك، حيث جمعت بين الرمزية التاريخية والتعبير عن الغضب الحالي، وربما مهدت الطريق للإعلان عن الإضراب العام كخطوة تالية حتمية في مسار التصعيد النقابي والشعبي.

إرث تاريخي من النضال

يتمتع الاتحاد العام التونسي للشغل بإرث نضالي طويل وحافل منذ تأسيسه في 20 يناير 1946. شهد تاريخ الاتحاد عدّة إضرابات عامة كان لكل منها سياقه ودلالاته. بعض هذه الإضرابات كان دفاعاً عن السيادة الوطنية إبان الاستعمار الفرنسي، وبعضها الآخر كان احتجاجاً على أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة في مرحلة ما بعد الاستقلال، فيما كانت بعضها رداً على أوضاع سياسية قمعية.

يُعد إضراب 26 يناير 1978، الذي عُرف باسم "الخميس الأسود"، من أبرز المحطات في تاريخ الاتحاد. حدث هذا الإضراب في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، حيث خرج العمال بالمئات الآلاف للمطالبة بحل مشكلة البطالة المستفحلة، خاصة في المناطق الداخلية المهمشة. تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات دامية سقط فيها عشرات القتلى والجرحى، مما رسخ في الذاكرة الجمعية قوة الاتحاد وثمن النضال من أجل الحقوق.

سابقة إضراب 2011 الحاسمة

لا يمكن فهم حجم التهديد الذي يشكله الإعلان عن إضراب عام جديد دون استحضار سابقة إضراب 14 يناير 2011. ذلك الإضراب، الذي قررت فيه قيادة الاتحاد المركزية آنذاك ترك الحرية للاتحادات الجهوية لاختيار موعد الإضراب المناسب في كل ولاية، كان شرارة حاسمة في انطلاق الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي. تحولت سلسلة الإضرابات الجهوية التي بدأت في 11 يناير إلى زلزال سياسي غير وجه تونس، لتنتقل العدوى إلى دول أخرى مثل مصر وليبيا، فيما عرف بـ"الربيع العربي".

تُذكر هذه السابقة اليوم كتحذير واضح للسلطة الحالية. إنها تثبت أن الاتحاد العام التونسي للشغل ليس مجرد منظمة نقابية عادية، بل هو فاعل سياسي واجتماعي له قدرة حقيقية على حشد الشارع والتأثير في المسار السياسي للبلاد عند اللزوم. قرار العودة إلى سلاح الإضراب العام، خاصة في ظل ظروف مشابهة من الاحتقان، يعني أن الاتحاد يعتبر أن البلاد وصلت إلى مفترق طرق خطير يستدعي استخدام كل الأدوات المتاحة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال