كشف ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين، نيستور أوموهانجي، أن الاحتلال يفرض نظام تأشيرات بالغ التشدد على الموظفين الدوليين التابعين للمنظمة، الأمر الذي يعرقل قدرتهم على الوصول إلى الأراضي الفلسطينية وتقديم الاستجابة الإنسانية. وأوضح أن المنظمة تحتاج إلى تأشيرات للعمل في القدس وتنسيق عملياتها، لكن الحصول عليها "صعب للغاية"، كما تتطلب الدخول إلى غزة تصاريح إضافية لا تُمنح لجميع الموظفين، وحتى من يحصل عليها قد يُمنع من العودة لاحقًا. هذا التشديد لم يعد مجرد إجراء إداري، بل بات قيدًا مباشرًا يعطل عمل المؤسسات الأممية ويحد من قدرتها على إيصال الخدمات الطبية والإنسانية إلى المناطق المنكوبة، ويضاعف التأخير في تسليم المواد الحيوية للمستشفيات والمنشآت الصحية.
انعكاسات نفسية واجتماعية
أشار أوموهانجي إلى أن قطاع غزة يشهد موجة غير مسبوقة من الصدمات النفسية، حيث يعيش السكان مستويات مروّعة من الضغط والخوف المستمر. وتحدّث عن ارتفاع كبير في حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو نمط متكرر في مناطق الحروب. وأفاد بأن المنظمة سجلت نحو مئة محاولة انتحار بين ناجيات من العنف الجندري، وهو رقم يشير إلى مأساة غير ظاهرة لكنها متفاقمة. وأضاف أن مشاكل الصحة النفسية تطال النساء والشباب بشكل خاص، حيث تتداخل الصدمات مع انعدام الأمن الغذائي وفقدان المأوى والشعور المستمر بعدم اليقين.
قيود الاحتلال على المعدات الطبية
تناول أوموهانجي بالتفصيل قائمة طويلة من الاحتياجات الأساسية التي يمنع الاحتلال إدخالها إلى غزة، رغم أنها ضرورية لإنقاذ حياة الأمهات والأطفال. وأوضح أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يسعى لتوفير خدمات الصحة الإنجابية والولادات الآمنة، إلا أن غياب المعدات الطبية اللازمة يجعل هذه المهمة شبه مستحيلة. وأشار إلى أن بعض الأجهزة الأساسية مثل الموجات فوق الصوتية تُصنف كـ"معدات مزدوجة الاستخدام"، ما يؤدي إلى منع إدخالها رغم عدم وجود تعريف واضح لهذا التصنيف دوليًا أو حتى داخل إسرائيل. أما بعض الأدوات البسيطة مثل المقصات الطبية، فيتم رفضها لذات السبب. هذا المنع يجعل غرف الولادة تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات، مما يهدد النساء الحوامل ومواليدهن في كل عملية ولادة، ويُحوّل خدمات الصحة الإنجابية إلى عمل إنقاذي محفوف بالمخاطر.
مشاهدات ميدانية
في بداية المؤتمر الصحافي، تحدّث المسؤول الأممي عما شاهده خلال زيارته الحالية لغزة، مستذكرًا شهادات لنساء وقابلات وعاملين صحيين يعيشون ظروفًا لا تُحتمل. وروى كيف قالت له امرأة في دير البلح: "وقف إطلاق النار هو نَفَس… لكن لا يمكن للمرء أن يعيش بنَفَس واحد". هذه العبارة لخصت مشهد غزة اليوم، حيث يترقب السكان بصمت وقلق دائمين، فالسماء وإن هدأت نسبيًا، إلا أن آثار الدمار والصدمة ما تزال عميقة وممتدة.
نساء يتحملن عبء النجاة
أكد أوموهانجي أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية المعاناة بالنسبة للنساء والفتيات، إذ لا تزال آلاف الأسر تعيش في ملاجئ مكتظة، مهددة بالجوع والمرض يوميًا. وكشف أن أكثر من 57 ألف أسرة في غزة أصبحت النساء فيها المسؤول الأول عن الإعالة، وسط واقع اقتصادي منعدم، وانعدام مصادر الدخل، وغياب شبكات الأمان الاجتماعي. ويجعل هذا العبء النساء في وضع بالغ الهشاشة، حيث يُطلب منهن النجاة في بيئة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.
انهيار القطاع الصحي… كادر منهك ومرافق شبه مشلولة
وصف المسؤول الأممي الوضع الصحي في غزة بأنه "منهار"، موضحًا أن ثلث المرافق الطبية فقط تعمل وبشكل جزئي، في حين تعاني جميعها من نقص الكوادر والإمدادات. وأشار إلى أن وحدات العناية بحديثي الولادة مكتظة بشكل يفوق القدرة الاستيعابية، بينما نُدرت الأدوية والمستلزمات الحيوية. وروى حديثًا مع طبيب في جناح الولادة، أشار إلى حاضنة تضم طفلين من الخدج قائلاً: "إذا انقطع التيار الكهربائي مرة أخرى، لا أعرف ماذا سيحدث". وأكد أن النظام الصحي لم ينهَار بالكامل فقط لأن العاملين فيه يرفضون الاستسلام رغم الخسائر الهائلة في الأرواح والطاقات.
مساعدات محاصرة داخل قوائم الانتظار
حذّر أوموهانجي من أن دخول غزة ما يزال مقيدًا بشدة، إذ لا تفتح سوى ثلاثة معابر بشكل متقطع، فيما تؤدي الإجراءات البيروقراطية المعقدة إلى تأخير ضخم في دخول المساعدات التي يحتاجها السكان بصورة عاجلة. هذه القيود لا تؤخر فقط الغذاء والدواء، بل تترك النساء والأطفال والمرضى في مواجهة مباشرة مع الجوع والمرض دون أي ضمان لوصول الخدمات الحيوية في الوقت المناسب.
رسالة أخيرة من أم فلسطينية… “لا تجعلوا نجاتنا بداية لمعاناة أخرى”
اختتم المسؤول الأممي حديثه بإعادة نقل رسالة من إحدى الأمهات الفلسطينيات، التي قالت: "لا تدعوا نجاتنا تصبح بداية لمعاناة أخرى… فليكن لهذه الهدنة معنى". هذه الجملة بدت بمثابة تلخيص إنساني حادّ لوضع مئات آلاف الفلسطينيين الذين نجوا من القصف، لكنهم عالقون اليوم في دائرة أخرى من الألم ونقص الاحتياجات الأساسية.
تكشف شهادة أوموهانجي عن مشهد مركّب تتداخل فيه القيود الأمنية الإسرائيلية مع الانهيار الصحي والمآسي الاجتماعية داخل غزة، في مشهد يوثق تأثيرًا مباشرًا للقيود المفروضة على التأشيرات والمعابر على وصول المساعدات وخدمات الصحة الإنجابية والنفسية. ومع استمرار منع المعدات الطبية الأساسية وتعطيل حركة العاملين الإنسانيين، تتعمق الفجوة بين الحاجة الطارئة وبين القدرة الفعلية على تقديم الرعاية، لتتحول الهدنة إلى "نَفَس واحد" لا يُنقذ حياة، بل يؤجل المعاناة.










