21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

استراتيجية الأمن القومي الأمريكي بعيون إسرائيلية: ترامب يمنحنا نافذة فرص محدودة

قدم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي رؤية إسرائيلية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 التي أعلنتها إدارة ترامب، في ورقة سياسات مطوّلة سعت إلى تفكيك التحولات البنيوية في العقيدة الأمريكية الجديدة.

بقلم: عمرو المصري
١٨ ديسمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
31 مشاهدة
رؤية إسرائيلية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنتها الرئيس ترامب

رؤية إسرائيلية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنتها الرئيس ترامب

قدم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي رؤية إسرائيلية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 التي أعلنتها إدارة ترامب، في ورقة سياسات مطوّلة سعت إلى تفكيك التحولات البنيوية في العقيدة الأمريكية الجديدة، وقراءة تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على إسرائيل، إقليميًا واستراتيجيًا. وتندرج هذه الورقة، الصادرة في ديسمبر 2025 عن باحثي المعهد إلداد شفيت وجيسي وينبرغ، ضمن إطار قراءة إسرائيلية تحليلية للاستراتيجية الأمريكية، دون أن تعكس بالضرورة موقفًا أمريكيًا رسميًا، أو تحظى بتبنٍ خارج السياق الإسرائيلي.

الورقة تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعادت صياغة مبدأ «أمريكا أولًا» بصورة أكثر حدّة ووضوحًا، بما يُحدث قطيعة مع الدور الأمريكي التقليدي كقائد للنظام الليبرالي العالمي، ويؤسس لعقيدة براغماتية تضع المصالح القومية الأمريكية فوق أي التزامات قيمية أو مؤسسية دولية.

إعادة تعريف الدور الأمريكي

بحسب قراءة معهد دراسات الأمن القومي، فإن الاستراتيجية الجديدة تتخلى صراحة عن فكرة القيادة القيمية للمعسكر الديمقراطي–الليبرالي، وتتبنى مقاربة تعترف بقومية الدول وسيادتها، وتقلص التدخل في شؤونها الداخلية. هذا التحول، كما يقدمه المعهد، يُنظر إليه في إسرائيل كتحول هيكلي طويل الأمد، لا يقتصر على شخصية ترامب، بل يعكس حالة إنهاك أمريكي من الحروب، ورغبة في إعادة توجيه الموارد نحو الداخل.

وترى الورقة أن واشنطن لم تعد تعتبر الحفاظ على «النظام الليبرالي الدولي» هدفًا بحد ذاته، بل عبئًا استراتيجيًا أُفرط في الاستثمار فيه دون عائد مباشر على الأمن القومي الأمريكي، وهو ما ينعكس على شكل الانخراط الأمريكي في الأقاليم المختلفة.

الشرق الأوسط كملف مُغلق

في القراءة الإسرائيلية، يُقدَّم الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية بوصفه «ملفًا جرى التعامل معه». فإيران، وفق الرواية الأمريكية، باتت ضعيفة وتم «تدمير» مشروعها النووي، والحرب في غزة انتهت، وعملية التطبيع الإقليمي تتقدم. ضمن هذا الإطار، تُصنَّف إسرائيل كـ«مصلحة أمريكية جوهرية» وشريك مركزي في الهندسة الأمنية الجديدة للمنطقة.

لكن المعهد يحذر، من منظور إسرائيلي، من مفارقة لافتة: فإسرائيل، رغم مكانتها المحورية، تُنظر إليها أيضًا باعتبارها الطرف الوحيد القادر على إعادة فتح جبهات واسعة، بما يهدد «سردية النجاح» التي تحرص إدارة ترامب على ترسيخها. ومن هنا، تتحول إسرائيل في التصور الأمريكي إلى شريك ضروري، ولكن أيضًا إلى عامل مخاطرة محتمل.

نافذة زمنية قصيرة لإسرائيل

تشدد الورقة على أن السياسة الأمريكية الراهنة تضع إسرائيل أمام نافذة فرص محدودة، لا تتجاوز في أفضل الأحوال ثلاث سنوات، قد تكون أقصر فعليًا. خلال هذه الفترة، تُظهر واشنطن التزامًا عاليًا بأمن إسرائيل، لكن هذا الالتزام ليس مفتوحًا زمنيًا ولا غير مشروط سياسيًا.

وترى القراءة الإسرائيلية أن التحدي لا يقتصر على «الانسجام» مع الإدارة الأمريكية، بل في استثمار هذا الوقت المحدود لتحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى، سواء على مستوى العلاقة الثنائية مع واشنطن، أو في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، مع إدارة المخاطر الناتجة عن ميل الإدارة لإعلان «إغلاق الملفات»، ونقل الأعباء الأمنية إلى الشركاء، وتجنب التدخل العسكري الواسع.

إعادة بناء عقيدة «أمريكا أولًا»

وفق الورقة، تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى معالجة خمسة «إخفاقات» تراها الإدارة متراكمة منذ عقود: التوسع المفرط في الالتزامات العالمية، إهمال الداخل الأمريكي، المراهنة على العولمة والتجارة الحرة، الخلط بين القيم والمصالح، والاعتماد الزائد على المؤسسات متعددة الأطراف التي تُصوَّر كمعادية للسيادة الأمريكية.

هذه الرؤية، كما يعرضها المعهد، تؤسس لتحول جذري في السياسة الخارجية الأمريكية، ينعكس في مبادئ واضحة: أولوية الأمن الاقتصادي، تغليب المصالح القومية على الالتزامات الدولية، نزعة عدم التدخل، مركزية الدولة القومية، وإعادة توزيع الأعباء الأمنية على الحلفاء.

ترتيب الساحات الدولية

تُظهر القراءة الإسرائيلية أن الاستراتيجية الأمريكية تعيد ترتيب أولوياتها الجغرافية بوضوح: الوطن الأمريكي ونصف الكرة الغربي أولًا، ثم التنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع الصين، وبعد ذلك أوروبا والشرق الأوسط. ويُربط التركيز على أمريكا اللاتينية بإحياء عملي لمبادئ «عقيدة مونرو»، لمواجهة التغلغل الصيني المتزايد في ما تعتبره واشنطن مجالها الحيوي.

أما في آسيا، فالصين تُعرَّف أساسًا كتحدٍ اقتصادي وتكنولوجي، لا كعدو عسكري مباشر، مع تركيز على سلاسل التوريد، والمعادن الحيوية، وحماية التفوق التقني، بالتوازي مع السعي لعلاقة اقتصادية «مفيدة للطرفين»، وهو ما يقرأه المعهد كنوع من «الديتانت المحدود».

أوروبا وروسيا من منظور أمريكي جديد

تصف الورقة، نقلًا عن الاستراتيجية الأمريكية، أوروبا بأنها قارة تواجه «محوا حضاريًا»، ليس فقط بسبب ضعفها الاقتصادي أو العسكري، بل بسبب ما تعتبره واشنطن تآكلًا للسيادة الوطنية وقمعًا للمعارضات القومية. وفي هذا السياق، تلمح الإدارة الأمريكية، وفق القراءة الإسرائيلية، إلى دعم صعود تيارات قومية أوروبية بوصفها عامل تصحيح.

في الملف الروسي، تسعى واشنطن – بحسب الورقة – إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، وإعادة قدر من الاستقرار مع موسكو، مع الحد من توسع الناتو، دون تقديم تصور واضح لدور الردع النووي، ما يثير تناقضات داخلية في الاستراتيجية مقارنة بوثائق سابقة.

إسرائيل: التزام أمني مشروط

تؤكد الورقة أن الاستراتيجية الأمريكية تتضمن التزامًا صريحًا بأمن إسرائيل بوصفه مصلحة أمريكية أساسية، مع تبرير مستمر للمساعدات العسكرية، والتعاون الاستخباري، والدعم الدبلوماسي. غير أن هذا الالتزام، وفق القراءة الإسرائيلية نفسها، مقترن بمبدأ جوهري آخر: تجنب «الحروب الأبدية» ونقل العبء إلى الحلفاء.

وبذلك، يصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل في آن واحد ركيزة أمان وأداة ضغط، إذ تتوقع واشنطن من إسرائيل ضبط سلوكها العسكري والسياسي، وعدم الإقدام على خطوات قد تجر الولايات المتحدة إلى صراعات جديدة، خاصة في غزة أو مع إيران وحلفائها.

الفرص والمخاطر من منظور إسرائيلي

ترى الورقة أن أمام إسرائيل فرصًا لتعزيز موقعها كقوة أمنية وتكنولوجية محورية في المحور المؤيد لأمريكا، وتوسيع التطبيع الإقليمي، وتحسين موقعها التفاوضي مع واشنطن، خاصة في ملفات المساعدات العسكرية والتفوق النوعي.

في المقابل، تحذر من مخاطر حقيقية، أبرزها ترسيخ سردية أمريكية بأن «الشرق الأوسط استقر»، ما قد يقلص هامش التحرك الإسرائيلي مستقبلًا، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بصفقات إقليمية، واحتمالات تآكل التفوق النوعي، وتعميق الفجوات مع أوروبا، ومع قطاعات داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

توصيات إسرائيلية دون تبنٍ

تختتم ورقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بسلسلة توصيات للحكومة الإسرائيلية، تشمل تعميق التنسيق مع واشنطن، وتثبيت اتفاقات المساعدات، وتوسيع الشراكات التكنولوجية، ودفع مسار التطبيع، وإدارة الملف الفلسطيني بما يخدم الاستقرار الإقليمي، دون الذهاب إلى تسويات نهائية غير مرغوبة إسرائيليًا.

ورغم الطابع التحليلي الواسع للورقة، فإنها تبقى، في جوهرها، رؤية إسرائيلية خالصة لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، تعكس مخاوف وتطلعات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وتكشف في الوقت نفسه عن حدود التلاقي بين واشنطن وتل أبيب في مرحلة تعيد فيها أمريكا تعريف دورها العالمي، وتعيد فيها إسرائيل حساباتها داخل هذا التحول.

الكلمات المفتاحية:#إسرائيل

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال