4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: كيف يعيد ترامب تعريف الإرهاب؟ من خطاب الإدانة إلى إعادة هندسة التحالفات الدولية

لم يكن تعليق الرئيس الأميركي على حادث بونداي مجرد إدانة أمنية، بل إعادة صياغة لمفهوم الإرهاب تنعكس على استراتيجيات المكافحة الدولية وعلى علاقة واشنطن بالشرق الأوسط

بقلم: د. محمد الصاوي
١٨ ديسمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
9 مشاهدة
ترامب

ترامب

أعاد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب حادث إطلاق النار قرب شاطئ بونداي في سيدني، الجدل العالمي حول الطريقة التي تُعرِّف بها الولايات المتحدة مفهوم الإرهاب، وما يترتب على هذا التعريف من انعكاسات مباشرة على استراتيجيات مكافحة الإرهاب الدولية، وعلى العلاقات الأميركية مع الشرق الأوسط.
فحين دعا ترامب إلى “اتحاد الدول لمواجهة الشر والإرهاب الإسلامي المتطرف”، لم يكن يكتفي بإدانة حادث أمني معزول، بل كان يعيد إنتاج إطار فكري–سياسي له تداعيات تتجاوز أستراليا، وتمتد إلى بنية النظام الدولي نفسه.

هذا الخطاب، الذي يبدو للوهلة الأولى أخلاقيًا وأمنيًا، يخفي في طياته تحولات أعمق في المقاربة الأميركية للإرهاب، وفي فهمها للصراعات الشرق أوسطية، ولطبيعة الشراكات الدولية التي تسعى واشنطن إلى بنائها في مرحلة عالمية تتسم بتراجع التعددية وازدياد الاستقطاب.

 من مكافحة الإرهاب كتهديد أمني إلى الإرهاب كهويّة أيديولوجية

منذ هجمات 11 سبتمبر 2001،  السياسة الأميركية بين مقاربتين رئيسيتين:
-الأولى، أمنية صلبة، تربط الإرهاب بأيديولوجيا محددة وتتعامل معه بوصفه خطرًا وجوديًا.
-الثانية، أكثر تركيبًا، ترى الإرهاب نتاجًا لتفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية، وتدعو لمعالجة جذوره البنيوية.

تصريح ترامب يعيد بوضوح الاعتبار للمقاربة الأولى. فربط العنف بـ“الإرهاب الإسلامي المتطرف” لا يعرّف التهديد بوصفه سلوكًا عنيفًا محددًا، بل يمنحه حمولة أيديولوجية ودينية شاملة.


هذه الصياغة تُسهّل سياسيًا بناء تحالفات أمنية سريعة، وتمنح صانعي القرار هامشًا أوسع لاتخاذ إجراءات استثنائية، لكنها في المقابل تُضعف الاستراتيجيات الوقائية طويلة الأمد التي تقوم على تفكيك دوافع التطرف بدل الاكتفاء بملاحقة مظاهره.

 

وعلى عكس إدارات أميركية سابقة سعت – ولو خطابيًا – إلى الفصل بين الإرهاب والدين، يعيد هذا الخطاب دمج الاثنين في تعريف سياسي واحد، في قطيعة واضحة مع مقاربات سادت خلال العقد الماضي تحت عناوين “نزع الأدلجة” و”مكافحة التطرف العنيف”.

 كيف يؤثر الخطاب على استراتيجيات مكافحة الإرهاب الدولية؟

دوليًا، يحمل هذا الخطاب ثلاثة آثار رئيسية:

1. تعزيز التعاون الاستخباراتي الصلب

الدول الغربية التي تتبنى تعريفًا مماثلًا للإرهاب ستجد في تصريحات ترامب مبررًا لتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتشديد الرقابة، وتغليب الحلول الأمنية على حساب الأدوات السياسية والتنموية.

2.إضعاف المقاربات الشاملة

في المقابل، فإن دولًا ومنظمات دولية تبنّت خلال السنوات الأخيرة نهج “مكافحة التطرف العنيف” (CVE) — الذي يدمج البعد الاجتماعي والتنموي — قد تجد نفسها أمام خطاب أميركي يعيد الأمور إلى منطق “الأمن أولًا”، بما يحدّ من فعالية الشراكات متعددة المستويات.

3. مخاطر الوصم والتسييس

ربط الإرهاب بهويّة دينية يُسهّل تعبئة الرأي العام داخليًا، لكنه يزيد في الوقت ذاته من احتمالات الاستقطاب المجتمعي، وهو ما تحذّر منه تقارير أممية ترى أن الوصم الواسع قد يغذّي دوائر التطرف بدل أن يحدّ منها.

الشرق الأوسط في قلب المعادلة

في السياق الشرق أوسطي، لا يُقرأ تصريح ترامب بمعزل عن ثلاثة ملفات مركزية:

1. إسرائيل والصراع الفلسطيني

إعادة توصيف العنف ضمن إطار “الإرهاب العالمي” تسحب الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من سياقه السياسي والقانوني، وتعيد تعريفه بوصفه جزءًا من معركة كونية ضد التطرف.
هذا التحول يخدم سرديات أمنية إسرائيلية، لكنه في المقابل يُضعف فرص أي مقاربة سياسية عادلة للصراع، ويُعقّد دور واشنطن كوسيط، ويعزز الشكوك حول حيادها.

2. العلاقات مع الدول العربية

بعض الدول العربية المتحالفة مع واشنطن قد تجد في الخطاب الأميركي غطاءً لتعزيز سياساتها الأمنية، غير أن التعميم الأيديولوجي يضع هذه الدول في موقف دفاعي أمام مجتمعاتها، ويحدّ من قدرتها على دمج الإصلاح السياسي والاجتماعي كجزء من معالجة التطرف.

3. إيران ومحور المقاومة

يوفّر الخطاب الأميركي مادة سياسية جاهزة لخصوم واشنطن، الذين يصوّرون السياسات الأميركية باعتبارها استهدافًا ثقافيًا ودينيًا مقنّعًا، لا مجرد مواجهة تنظيمات عنيفة، وهو ما يزيد من صعوبة أي مسارات دبلوماسية موازية.

خطاب أخلاقي أم أداة استراتيجية؟

من منظور العلاقات الدولية، لا يمكن فصل لغة “الشر المطلق” عن حسابات القوة.
فهذا الخطاب:
-يُسهّل بناء اصطفافات أمنية سريعة.
-يُبرّر سياسات استثنائية داخلية وخارجية.
-لكنه في المقابل يُقوّض قدرة الولايات المتحدة على قيادة تحالفات مرنة ومتعددة الثقافات في عالم لم يعد أحادي القطبية.

خلاصة

تصريح ترامب حول حادث بونداي ليس مجرد رد فعل عاطفي على هجوم دموي، بل تعبير مكثف عن رؤية أميركية تعيد تعريف الإرهاب، وتعيد ترتيب أولويات التحالفات الدولية، وتعيد صياغة العلاقة مع الشرق الأوسط من منظور أمني–أيديولوجي ضيق.

قد يحقق هذا النهج مكاسب أمنية قصيرة المدى، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، أبرزها تآكل المقاربات الشاملة لمكافحة الإرهاب، وتعميق الفجوة بين الأمن والسياسة، وبين واشنطن وبيئاتها الشريكة في الشرق الأوسط.


والسؤال يبقى: هل يستطيع خطاب “الخير والشر” الصمود في عالم تتشابك فيه التهديدات، وتحتاج مواجهتها إلى حلول تتجاوز الثنائيات المبسّطة؟


المراجع الرسمية والسياسية والدولية

‏United Nations Office of Counter-Terrorism (UNOCT) (2024) Annual Report 2024: Preventing and countering violent extremism conducive to terrorism, United Nations. Available at: https://www.un.org/counterterrorism/sites/www.un.org.counterterrorism/files/unoct_2024_annual_report_eng.pdf (Accessed: 18 December 2025).  

‏United Nations Office of Counter-Terrorism (UNOCT) (n.d.) What we do, United Nations Office of Counter-Terrorism. Available at: https://www.un.org/counterterrorism/ar/what-we-do (Accessed: 18 December 2025).  

‏United Nations Office of Counter-Terrorism (UNOCT) (n.d.) Plans of Action to Prevent Violent Extremism, United Nations Office of Counter-Terrorism. Available at: https://www.un.org/counterterrorism/ar/cct/plans-of-action-to-prevent-violent-extremism (Accessed: 18 December 2025).  

‏Trump, D. (2025) National Security Strategy of the United States of America, White House, November 2025. Available at: https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf (Accessed: 18 December 2025).  

الأبحاث والتقارير التحليلية

‏Byman, D. (2015) ‘The limits of counterterrorism’, Brookings Institution. Available at: https://www.brookings.edu/articles/the-limits-of-counterterrorism/ (Accessed: 18 December 2025).  

‏Foreign Affairs (n.d.) Terrorism & Counterterrorism, Foreign Affairs. Available at: https://www.foreignaffairs.com/topics/terrorism-counterterrorism (Accessed: 18 December 2025).  

‏European Parliamentary Research Service (EPRS) (2025) The 2025 US National Security Strategy, European Parliament. Available at: https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/ATAG/2025/779261/EPRS_ATA(2025)779261_EN.pdf (Accessed: 18 December 2025).  

مراجع إضافية مفيدة (غير مباشرة لكن مفيدة للتحليل)

‏United Nations Alliance of Civilizations (UNAOC) (2024) International Day for the Prevention of Violent Extremism as and when Conducive to Terrorism, UNAOC. Available at: https://www.un.org/counterterrorism/sites/www.un.org.counterterrorism/files/20240212_pve_day_commemoration_press_release_final.pdf (Accessed: 18 December 2025).  

‏OSCE Parliamentary Assembly and UNOCT (2020) OSCE Parliamentary Assembly and UNOCT collaborate to prevent terrorism and violent extremism, OSCE PA. Available at: https://www.oscepa.org/en/news-a-media/press-releases/press-2020/osce-parliamentary-assembly-and-unoct-to-reinforce-collaboration-in-preventing-and-terrorism-and-violent-extremism (Accessed: 18 December 2025).

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال