قال وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي إن السياسة الخارجية المصرية تتحرك وفق مبدأ «الاتزان الاستراتيجي»، بما يمنح القاهرة القدرة على لعب أدوار الوساطة والشراكة وإدارة الحوار في ملفات إقليمية شديدة التعقيد، تمتد من غزة والسودان وليبيا، وصولًا إلى البحر الأحمر وسد النهضة وسوريا ولبنان.
وجاءت تصريحات عبد العاطي في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»، بعد ساعات من إعلان وزارة الخارجية المصرية إطلاق «الكتاب الأبيض» حول مبدأ الاتزان الاستراتيجي في الدبلوماسية المصرية، وذلك من مكتبه في العاصمة الإدارية الجديدة، حيث استعرض الوزير قراءة شاملة لمواقف القاهرة وتحركاتها في الإقليم.
شراكة القاهرة والرياض
أكد وزير الخارجية المصري تميز العلاقات المصرية – السعودية، واصفًا إياها بالعلاقات الأبدية بين بلدين وشعبين شقيقين، مشددًا على أن القاهرة والرياض تمثلان جناحي الأمتين العربية والإسلامية، وأن أي خلل في هذا التنسيق ينعكس سلبًا على مجمل الإقليم.
وأشار عبد العاطي إلى وجود توجيهات عليا من الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان للارتقاء بالعلاقات في مختلف المجالات، السياسية والاقتصادية والاستثمارية والطاقة، كاشفًا عن التحضير لعقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق الأعلى المصري – السعودي، والمتوقع انعقاده خلال الربع الأول من العام المقبل.
غزة وتعطيل المرحلة الثانية
وحمل عبد العاطي إسرائيل مسؤولية تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مؤكدًا أن تنفيذ هذه المرحلة مرهون بالتزام الجانب الإسرائيلي بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي نُفذت مرحلتها الأولى بالكامل، باستثناء ملف جثة واحدة لا تزال تحت الأنقاض.
وأوضح أن القاهرة تواصل اتصالاتها المكثفة مع واشنطن لنقل الرؤية المصرية بشأن ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، والانتقال إلى المرحلة الثانية بكل استحقاقاتها، بما يشمل إعادة الانتشار والانسحاب الإسرائيلي من داخل القطاع، وفقًا لما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 2803.
الكيانات الانتقالية المؤقتة
وتحدث وزير الخارجية عن تصور مصري متكامل للكيانات الانتقالية المؤقتة في غزة، وعلى رأسها مجلس السلام وقوة الاستقرار واللجنة الإدارية الفلسطينية، مؤكدًا أن القاهرة جاهزة للانخراط الفوري في تنفيذ هذه الأطر حال توفر الإرادة السياسية الدولية.
وأوضح أن مصر ترى في «مجلس السلام» أداة محورية لحشد الموارد المالية الخاصة بإعادة الإعمار والتعافي المبكر، إضافة إلى مراقبة صرف أموال إعادة الإعمار، مشيرًا إلى أن أي صندوق دولي، بما في ذلك الصناديق التي قد يشرف عليها البنك الدولي، يجب أن يكون تحت إشراف هذا المجلس.
قوة الاستقرار الدولية
وأكد عبد العاطي أن النقاشات مع الجانب الأمريكي بشأن «قوة الاستقرار» جادة وإيجابية، مشددًا على أن هذه القوة يجب أن تكون قوة حفظ سلام لا فرض سلام، مع فارق جوهري بين المهمتين.
وأوضح أن دور هذه القوة يقتصر على مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار والمساعدة في تشغيل المعابر، بينما تبقى مسؤولية فرض النظام العام من اختصاص الشرطة الفلسطينية، إلى جانب تشكيل لجنة تكنوقراط غير فصائلية لإدارة الشؤون الحياتية في القطاع، لافتًا إلى أن مصر قدمت قائمة تضم 15 اسمًا تحظى بتوافق فلسطيني.
السلاح في غزة
وفيما يتعلق بسلاح الفصائل، أوضح وزير الخارجية أن خطة ترامب تتحدث عن حصر السلاح وتسليمه، وليس نزع السلاح، معتبرًا أن هذا الملف شأن فلسطيني – فلسطيني يمكن التوصل فيه إلى صيغة توافقية عبر تسليم تدريجي للسلاح ضمن إطار وطني جامع.
إعادة إعمار القطاع
وأشار عبد العاطي إلى التنسيق الكامل مع واشنطن بشأن خطة إعادة إعمار غزة، مؤكدًا إجراء اتصالات مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وجاريد كوشنير، لبحث توقيت ومكان عقد مؤتمر دولي لتمويل إعادة الإعمار، دون تحديد موعد نهائي حتى الآن.
السودان والاتهامات المتداولة
ونفى وزير الخارجية بشكل قاطع الاتهامات الموجهة لمصر بشأن وجود دور ميداني لها في السودان، واصفًا هذه الاتهامات بالأكاذيب، ومؤكدًا أن القاهرة لا تنخرط إلا في مسارات خفض التصعيد والحلول السياسية.
وأوضح أن مصر تدعم الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها الجيش السوداني، معتبرًا أنه لا يمكن مساواة مؤسسة الدولة بأي ميليشيا أو كيان موازٍ خارج إطار الدولة، مشددًا على رفض القاهرة القاطع لأي سيناريو لتقسيم السودان.
ليبيا والانتخابات المؤجلة
وفي الملف الليبي، أعرب عبد العاطي عن قلق مصر من استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، مؤكدًا أن الحل الوحيد يكمن في توحيد مؤسسات الدولة، لا سيما العسكرية والأمنية، والذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
وأوضح أن القاهرة لا تعترف بمذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق السابقة، وقد أبلغت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بهذا الموقف، مع استمرار الحوار الثنائي مع الجانب الليبي حول ترسيم الحدود البحرية.
التقارب مع تركيا
وأكد وزير الخارجية تطور العلاقات المصرية – التركية، مشيرًا إلى الإعداد لعقد الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق الاستراتيجي في القاهرة العام المقبل بحضور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
وشدد على أن بناء الشراكات لا يعني التوافق الكامل في جميع الملفات، موضحًا أن القاهرة وأنقرة تعملان على البناء على نقاط الاتفاق والسعي لتقليص الخلافات عبر الحوار.
البحر الأحمر وسد النهضة
وفيما يخص البحر الأحمر، شدد عبد العاطي على أن حوكمة البحر الأحمر وخليج عدن حق حصري للدول المشاطئة، مؤكدًا رفض مصر لأي وجود عسكري لدول غير مشاطئة في هذه المنطقة الحيوية.
أما ملف سد النهضة، فأكد أن المسار التفاوضي وصل إلى طريق مسدود بعد 13 عامًا من المفاوضات، مشددًا على أن مصر تحتفظ بحقها في الدفاع الشرعي عن أمنها المائي وفق ميثاق الأمم المتحدة، في حال وقوع أي ضرر.
سوريا ولبنان
وحول سوريا، أكد عبد العاطي دعم مصر الكامل للشعب السوري واستقرار الدولة السورية، مع إدانة أي انتهاكات إسرائيلية للسيادة السورية، داعيًا الإدارة السورية الجديدة إلى الانفتاح على جميع مكونات المجتمع وعدم إتاحة ذرائع للتدخلات الخارجية.
وفي الملف اللبناني، أشار إلى اتصالات مصرية مكثفة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها إسرائيل وإيران وأمريكا، لتجنيب لبنان الانزلاق إلى مواجهة أوسع، مثمنًا دور الجيش اللبناني والتزام الحكومة باتفاق وقف العدائيات.










