يعكس القصف المدفعي الإسرائيلي الذي استهدف حي التفاح شرق مدينة غزة، وأدى إلى استشهاد عدد من المدنيين معظمهم من الأطفال، نمطًا متكررًا من خرق وقف إطلاق النار، لا باعتباره حادثًا عابرًا، بل كسياسة ميدانية مستمرة. حركة المقاومة الإسلامية حماس وصفت ما جرى بأنه جريمة وحشية بحق المدنيين الأبرياء، مؤكدة أن حكومة الاحتلال تواصل تقويض الاتفاق عبر استهداف مباشر للسكان في مناطق مأهولة، رغم مرور أكثر من شهرين على الإعلان عن وقف إطلاق النار.
هذا الخرق المتجدد، يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاقات غير المصحوبة بآليات رقابة وضمانات تنفيذية، ويكشف الفجوة بين النصوص المعلنة على الورق والواقع الميداني الذي يشهد تصعيدًا مستمرًا.
حصيلة دامية منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار
تشير معطيات حماس إلى ارتقاء أكثر من 400 شهيد منذ الإعلان عن الاتفاق، وهو رقم يعكس حجم خرق وقف إطلاق النار واتساع دائرته. هذه الحصيلة، التي تتزايد في ظل استمرار القصف والغارات، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، خاصة في ظل ما تصفه الحركة بحالة العجز والصمت الدوليين إزاء ممارسات حكومة الاحتلال.
القراءة السياسية لهذه الأرقام تفيد بأن استمرار الاستهداف، رغم الاتفاق، يُستخدم كأداة ضغط لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض معادلات جديدة تتناقض مع مضمون وقف إطلاق النار.
استهداف المدنيين وعرقلة الإسعاف: انتهاك مركّب
لا يقتصر خرق وقف إطلاق النار على القصف المباشر، بل يتعداه إلى ممارسات ميدانية تُفاقم الكارثة الإنسانية. فقد أكدت حماس أن الاحتلال يمنع سيارات الإسعاف والطواقم الطبية من الوصول إلى أماكن القصف، ويعرقل عمليات الإنقاذ، ما يحوّل الاستهداف إلى انتهاك مركّب يجمع بين القتل المتعمد وحرمان الضحايا من فرص النجاة.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تمثل هذه السلوكيات خرقًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، وتؤسس لمسؤولية قانونية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم.
مجزرة حي التفاح
تجسّد مجزرة مدرسة شهداء غزة في حي التفاح ذروة خرق وقف إطلاق النار. فالقصف الذي استهدف مدرسة تؤوي نازحين، أثناء إقامة حفل زفاف، وأسفر عن استشهاد ستة مواطنين وإصابة آخرين، يكشف استهتارًا واضحًا بحياة المدنيين وبالمنشآت المحمية.
شهادات العيان التي أفادت باستهداف الطابق الثاني من مدرسة حي التفاح خلال الحفل، باستخدام المدفعية والقنابل الدخانية وإطلاق النار، تعزز الرواية التي تتحدث عن مجزرة مكتملة الأركان، وتؤكد أن المناطق المدنية لم تعد خارج بنك الأهداف.
خلفية الاتفاق وسياق الانهيار
وُقّع اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي على أمل تهدئة الأوضاع وفتح نافذة لمعالجة إنسانية وسياسية أوسع. غير أن تكرار خرق وقف إطلاق النار، كما في حي التفاح ومناطق أخرى، يشير إلى أن الاتفاق يواجه خطر الانهيار التدريجي، في ظل غياب ردع دولي حقيقي واستمرار الاحتلال في اختبار حدود الصمت الدولي.
مطالب الوسطاء ومسؤولية واشنطن
في ختام موقفها، جدّدت حماس مطالبتها للوسطاء الضامنين للاتفاق، وللإدارة الأمريكية تحديدًا، بتحمّل مسؤولياتهم والتدخل العاجل لوقف الانتهاكات. وتؤكد القراءة التحليلية أن أي تجاهل لهذه الدعوات سيُفسَّر عمليًا كضوء أخضر لاستمرار خرق وقف إطلاق النار، بما يحمله ذلك من مخاطر توسع دائرة العنف وتقويض أي مسار تهدئة مستقبلي.
إن تكرار خرق وقف إطلاق النار في غزة، واستهداف المدنيين والمنشآت الإنسانية، لا يهدد فقط حياة السكان، بل يقوّض مصداقية الاتفاقات السياسية برمتها، ويضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي بين الاكتفاء بالإدانة اللفظية أو الانتقال إلى إجراءات تضمن حماية المدنيين وفرض احترام الاتفاقات.











