أعادت الفيضانات التي ضربت قطاع غزة، بفعل الأمطار الغزيرة وسوء الأحوال الجوية، تسليط الضوء على هشاشة الواقع الإنساني في القطاع المحاصر، غير أن منظمة العفو الدولية حسمت الجدل، معتبرة أن ما جرى لا يمكن تصنيفه ككارثة طبيعية بحتة، بل مأساة كان من الممكن منعها بالكامل لولا السياسات الإسرائيلية التي قيّدت إدخال الإمدادات الحيوية وعمّقت آثار أي طارئ مناخي.
غزة.. تحذيرات مسبقة وكارثة لم تكن مفاجئة
بحسب منظمة العفو الدولية، فإن التحذيرات من تداعيات الأمطار الغزيرة كانت واضحة ومبكرة، لا سيما في ظل غياب بنية تحتية قادرة على تصريف المياه، وتكدّس مئات آلاف النازحين في خيام مؤقتة ومبانٍ مدمّرة جزئيًا.
ورغم ذلك، لم تُتخذ أي إجراءات وقائية حقيقية، ما أدى إلى مشاهد صادمة لخيام غارقة بالمياه، وانهيارات في مساكن متضررة أصلًا من القصف، وسقوط ضحايا كان بالإمكان إنقاذهم لو توفرت أدنى مقومات الحماية.
فيضانات غزة والقيود الإسرائيلية
تشدد منظمة العفو الدولية على أن حجم الدمار الناتج عن الأمطار لم يكن ليبلغ هذا المستوى لولا القيود الإسرائيلية المستمرة على دخول مواد الإصلاح، ومستلزمات البنية التحتية، ومعدات الإيواء.
فالمنع المتعمد لإدخال أنابيب الصرف، ومواد البناء، ومولدات الكهرباء، ومواد العزل، جعل أي منخفض جوي يتحول تلقائيًا إلى كارثة إنسانية. وعليه، فإن تحميل الطقس وحده مسؤولية ما جرى يُعد، وفق المنظمة، تبسيطًا مخلًا يتجاهل السبب الجذري للأزمة.
مناخ قاسٍ فوق دمار شامل
يعيش قطاع غزة أصلًا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه، نتيجة حرب مدمّرة خلّفت دمارًا واسعًا في المنازل والبنية التحتية، ودفعت مئات الآلاف إلى النزوح القسري. ومع حلول فصل الشتاء، باتت الخيام المهترئة والمباني غير الصالحة للسكن مصائد موت حقيقية، في ظل انعدام التدفئة، وتسرّب المياه، وغياب شبكات تصريف فعّالة. وترى العفو الدولية أن مشاهد الغرق والانهيار ليست استثناءً، بل نتيجة متوقعة لسياسة ممنهجة حوّلت القطاع إلى مساحة غير قابلة للحياة.
الطقس ليس المتهم الوحيد
في قراءتها الأوسع، تربط منظمة العفو الدولية بين فيضانات غزة والسياسة الإسرائيلية القائمة على الحصار، معتبرة أن ما يحدث هو امتداد لما وصفته بـ«الإبادة الجماعية» عبر تدمير شروط البقاء الأساسية. فالمنع المستمر لإدخال مواد الإيواء والإصلاح، حتى في ذروة الكارثة، يعكس – وفق المنظمة – تعمّد إبقاء السكان في حالة هشاشة دائمة، بحيث يتحول أي عامل طبيعي إلى أداة قتل غير مباشرة.
مسؤولية قانونية ومطالب عاجلة
حمّلت منظمة العفو الدولية إسرائيل المسؤولية المباشرة عن تفاقم الكارثة، مطالبة برفع فوري للحصار القاسي المفروض على غزة، والسماح بدخول غير مقيّد للسلع الأساسية، ومواد الإيواء، ومستلزمات إصلاح البنية التحتية.
وأكدت أن القانون الدولي الإنساني لا يكتفي بمنع القتل المباشر، بل يُلزم قوة الاحتلال بضمان حماية المدنيين من المخاطر المتوقعة، بما فيها الكوارث الطبيعية التي يمكن الحد من آثارها.
فيضانات غزة كاختبار أخلاقي دولي
تكشف فيضانات غزة، وفق توصيف منظمة العفو الدولية، فشلًا دوليًا مزدوجًا: فشلًا في منع السياسات التي صنعت الكارثة، وفشلًا في حماية الضحايا بعد وقوعها.
وما لم يُكسر الحصار وتُفتح المعابر أمام الإمدادات الحيوية، ستبقى غزة عرضة لكوارث متكررة، لا يصنعها الطقس وحده، بل واقع سياسي يُحوّل الأمطار إلى مأساة، والشتاء إلى موسم موت بطيء.











