في ذكرى انطلاقتها الـ38: "حماس" من صيدا تجدد تمسكها بالمقاومة
في مشهد يجسد تلاحم الشتات الفلسطيني مع معارك الداخل، أحيت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الذكرى الثامنة والثلاثين لانطلاقتها بفعالية وطنية حاشدة في مدينة صيدا جنوبي لبنان.
الفعالية التي أقيمت بجوار أضرحة الشهداء في مقبرة "سيروب"، لم تكن مجرد إحياء لذكرى تأسيس، بل كانت منصة سياسية بعثت من خلالها الحركة برسائل حاسمة تتعلق بمستقبل المواجهة مع الاحتلال، والوضع الإنساني في قطاع غزة، وأمن المخيمات في لبنان.
حضور وطني ولبناني جامع
شهدت الفعالية حضوراً لافتاً لم يقتصر على كوادر الحركة ومناصريها، بل ضم ممثلين عن القوى السياسية اللبنانية، وفصائل المقاومة الفلسطينية، وهيئات مشيخية ومجتمعية وشبابية.
أيمن شناعة: الانطلاقة استجابة للحظة مصيرية
وفي الكلمة المركزية للحفل، أكد نائب المسؤول السياسي لحركة "حماس" في لبنان ومسؤول منطقة صيدا، أيمن شناعة، أن انطلاقة الحركة عام 1987 لم تكن حدثاً عابراً، بل "محطة تاريخية مفصلية" جاءت كضرورة وطنية واستجابة للحظات مصيرية كانت تمر بها القضية الفلسطينية. وأوضح شناعة أن الحركة منذ يومها الأول عكست إرادة الشعب في الصمود ورفض كافة أشكال التبعية أو الرضوخ للاحتلال، متمسكة بالأرض كحق غير قابل للتصرف.
وانتقد شناعة المسارات السياسية التي لم تلبِّ طموحات الشعب، قائلاً: "لقد مررنا باتفاقات قاصرة وقرارات أممية ظلت حبراً على ورق في ظل إفلات الكيان الصهيوني من المحاسبة الدولية".
"طوفان الأقصى" وتحطم الأسطورة الأمنية
وتطرق القيادي في حماس إلى الحروب المتتالية التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، مؤكداً أنها أثبتت بوضوح تقهقر المنظومة الأمنية والسياسية والعسكرية للكيان.
واعتبر أن عملية "طوفان الأقصى" التي انطلقت في السابع من أكتوبر 2023، جاءت لتؤكد للعالم أجمع أن الشعب الفلسطيني، رغم مرور 76 عاماً على النكبة، لا يزال يمتلك زمام المبادرة ولن يتخلى عن مقدساته أو أسرى الحرية.
وأضاف شناعة: "لقد أفشل صمود شعبنا الأسطوري كافة مخططات التهجير القسري، ورغم المجازر والتدمير الممنهج، بقيت المقاومة صلبة، واستطاعت إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وهو ما رأيناه في الحراك المليوني في عواصم الولايات المتحدة وأوروبا".
الرؤية السياسية والحلول الإنسانية
وعلى الصعيد السياسي، رسم شناعة ملامح المرحلة المقبلة، مؤكداً انفتاح الحركة على المبادرات السياسية التي تضمن حقوق الشعب الفلسطيني. وشدد على ضرورة "إلزام الاحتلال بالبدء بالمرحلة الثانية من الاتفاق" لتحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية الكارثية في غزة.
وحدد شناعة ثوابت الحركة في أي تفاوض، والتي تتلخص في التمسك بالمقاومة وسلاحها كضمانة وحيدة لحماية الشعب والبدء بعمل اللجنة الإدارية لتنظيم شؤون القطاع وتسهيل عملية إعادة الإعمار والوحدة الوطنية كمدخل رئيسي لمواجهة المشاريع التصفوية
أمن المخيمات والتمسك بـ "الأونروا"
وجه شناعة رسالة طمأنة إلى الداخل اللبناني، مؤكداً التزام "حماس" بأمن واستقرار المخيمات الفلسطينية ورفض كافة مشاريع التوطين أو التهجير. كما حذر من محاولات تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، معتبراً إياها محاولة لشطب حق العودة، وداعياً إلى تكاتف الجهود الفلسطينية واللبنانية لحماية الوجود الفلسطيني حتى العودة.
تعد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اليوم القوة الأبرز في المشهد الفلسطيني المقاوم، وقد ارتبط اسمها منذ التأسيس في 14 ديسمبر 1987 بالانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة). أسسها الشيخ أحمد ياسين مع مجموعة من القادة، لتكون الجناح المقاوم المنبثق عن فكر الإخوان المسلمين في فلسطين، معلنة الكفاح المسلح وسيلة لتحرير الأرض.
المحطات التاريخية الكبرى
على مدار أربعة عقود، تحولت حماس من حركة دعوية واجتماعية إلى قوة عسكرية وسياسية كبرى. في عام 2006، حققت مفاجأة سياسية بفوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، مما نقلها من "فصيل معارض" إلى "سلطة حاكمة" في قطاع غزة، وهو ما أدى لفرض حصار إسرائيلي خانق مستمر منذ عام 2007.
طورت الحركة جناحها العسكري "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، ليصبح جيشاً منظماً خاض عدة حروب كبرى (2008، 2012، 2014، 2021)، وصولاً إلى المنعطف الأكبر في تاريخ الصراع.
عملية "طوفان الأقصى" وتداعياتها
في 7 أكتوبر 2023، نفذت حماس وفصائل المقاومة عملية "طوفان الأقصى"، وهي هجوم غير مسبوق استهدف المستوطنات والقواعد العسكرية في غلاف غزة. جاءت العملية رداً على الانتهاكات المتزايدة في المسجد الأقصى، واستمرار الحصار، ومعاناة الأسرى.
أدت هذه العملية إلى تغيير راديكالي في الحسابات الإقليمية، حيث شنت إسرائيل حرباً مدمرة على قطاع غزة، لكنها في المقابل أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، وأثارت موجة تعاطف عالمي غير مسبوقة، وأعادت طرح حل الدولتين وإنهاء الاحتلال كضرورة لاستقرار المنطقة. اليوم، وفي ذكراها الـ38، تبرز حماس كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية للشرق الأوسط.










