4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

السياسة الإسرائيلية: خللٌ بنيوي في التمييز بين الصديق والعدو

قال الكاتب ميخائيل ميلشتاين إن الحرب الإسرائيلية الأخيرة لم تُنتج فقط اختلالات في الأهداف ومدة القتال والسياسات المتّبعة، بل كشفت خللاً أعمق يتمثل في انهيار آلية التمييز بين الصديق والعدو.

بقلم: عمرو المصري
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
36 مشاهدة
الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ ورئيس الوزراء نتنياهو

الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ ورئيس الوزراء نتنياهو

قال الكاتب ميخائيل ميلشتاين إن الحرب الإسرائيلية الأخيرة لم تُنتج فقط اختلالات في الأهداف ومدة القتال والسياسات المتّبعة، بل كشفت خللاً أعمق يتمثل في انهيار آلية التمييز بين الصديق والعدو، تحت وطأة الاعتبارات السياسية غير المسبوقة التي باتت تتحكم بكل مستويات القرار. ويوضح أن هذا الخلل لا ينعكس فقط على إدارة الصراع، بل يضرب جوهر السياسة الخارجية الإسرائيلية، ويحوّلها إلى سلسلة ردود فعل مرتبكة، بلا بوصلة استراتيجية واضحة.

وأضاف ميلشتاين، في مقال نُشر بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن هذه الظاهرة تتجلى بأوضح صورها في القضية الفلسطينية، حيث يطغى الخطاب الأيديولوجي على أي تفكير عقلاني، بينما تقل حدتها نسبياً في الساحات التي ما زال يسودها قدر من الإجماع الإسرائيلي، مثل المواجهة مع "حزب الله" وإيران، وإن كانت آثارها بدأت تتسلل إليها أيضاً.

إسرائيل ومنطق الاصطفاف

يرى الكاتب أن غياب استراتيجية منظمة دفع إسرائيل إلى اعتماد منطق تبسيطي وخطير: كل من ينتقدها يُصنّف تلقائياً عدواً، وكل من يعارض منتقديها، حتى من دون أي تقاطع مصالح فعلي، يُعتبر صديقاً. وبهذا المنطق، تُشتبه دول أوروبية اعترفت بدولة فلسطينية بأنها معادية للسامية أو خاضعة لـ"الإسلام السياسي"، بينما يُمنح صك الصداقة لكل طرف يصطف ضد خصوم إسرائيل الإعلاميين أو السياسيين، بغضّ النظر عن خلفياته أو أجنداته الحقيقية.

ويشير ميلشتاين إلى أن هذه السياسة تفتقر إلى أي اتساق أو رؤية طويلة المدى، وغالباً ما تُصاغ وفق حاجات آنية وضغوط داخلية، ما يحوّل السياسة الخارجية إلى أداة تكتيكية قصيرة النفس، لا إلى إطار منظم يخدم المصالح الإسرائيلية على المدى المتوسط والبعيد.

تناقضات فاضحة

في هذا السياق المشوش، يلفت الكاتب إلى سلسلة تناقضات صارخة: تُوصف قطر بأنها دولة "معقدة"، ثم تُنفّذ غارة على أراضيها؛ يُصوَّر جو بايدن، الذي وفّر مظلة ردع أنقذت إسرائيل في بداية الحرب من مواجهة إقليمية شاملة، كعدو؛ وفي المقابل، تُنسَج علاقات بين أطراف في الحكومة الإسرائيلية وتنظيمات يمينية متطرفة في أوروبا، من دون أي فحص جدي لأيديولوجياتها أو ماضيها المعادي لليهود.

هذه السلوكيات، بحسب ميلشتاين، لا تعكس شجاعة سياسية ولا استقلالية قرار، بل ارتباكاً عميقاً وعجزاً عن بناء شبكة تحالفات مستقرة تقوم على المصالح لا على ردود الفعل الانفعالية.

حكومة بلا بوصلة

يؤكد الكاتب أن حكومة إسرائيل تعمل اليوم ضمن هامش مناورة ضيق، محاصر بتهديدات أحزاب اليمين المتطرف من جهة، وبالخطوط الحمر التي تفرضها واشنطن من جهة أخرى. وبدلاً من بلورة عقيدة أمنية محدثة تستند إلى تحقيق نقدي عميق في إخفاقات السابع من تشرين الأول، يجري الاكتفاء بنمط "إدارة" يعتمد على استخدام القوة واحتلال الأراضي، مع السخرية من أي دعوة لصياغة استراتيجية شاملة.

ويحذر ميلشتاين من أن هذا النهج يجعل إسرائيل تبدو طرفاً عنيداً، غارقاً في أوهام القوة، يخرج عن توازنه السياسي، ويتسبب بأضرار ذاتية، كما حدث في الهجوم على قطر، الذي انتهى بعزلة وإحراج سياسيين أكثر منه بإنجاز أمني.

مأزق غزة

في غزة، تتجسد هذه الرؤية المختلة بوضوح أكبر، حيث تطالب إسرائيل بحل شبه طوباوي يستبعد السلطة الفلسطينية و"حماس" معاً، ويقوم على نزع السلاح الكامل و"إزالة التطرف"، من دون تقديم أي بديل واقعي للحكم. ونتيجة لذلك، جرى تقليص دور إسرائيل في بلورة "اليوم التالي"، كما ظهر في عدم دعوتها لاجتماع ويتكوف حول القوة متعددة الجنسيات، والذي شاركت فيه تركيا وقطر، وهما دولتان لا ترغب إسرائيل في منحهما نفوذاً في القطاع.

وفي الخلفية، تتواصل التلميحات التركية بشأن رغبة أنقرة في لعب دور مباشر في غزة، وسط غياب توضيحات أميركية حاسمة، ما يفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية تُفرض على إسرائيل بدل أن تكون شريكاً في صياغتها.

ترامب يملأ الفراغ

يرى ميلشتاين أن الفراغ الاستراتيجي الذي تركته إسرائيل ملأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بات يتخذ قرارات مصيرية نيابة عنها، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويتجلى ذلك في غزة من خلال إصراره على إنهاء الحرب والحفاظ على وقف إطلاق النار، رغم أن رد "حماس" لم يلبِّ لا مطالبه ولا مطالب إسرائيل، ودفعه نحو المرحلة الثانية من الاتفاق رغم الفجوات العميقة، بما فيها رفض نزع السلاح وعدم إعادة جثمان الأسير الأخير.

ويمتد هذا النمط إلى الضفة الغربية، حيث رفض ترامب التصورات الإسرائيلية التي افترضت ضوءاً أخضر أميركياً لضم الأراضي، وأدرج مصطلح "الدولة الفلسطينية" في قرار أممي، ووافق على بيع طائرات F-35 للسعودية من دون اشتراط التطبيع مع إسرائيل، متجاهلاً محاولات ربط الصفقة بتصفية الملف الفلسطيني.

فجوات متسعة

يعدد الكاتب ملفات إضافية تعكس اتساع الفجوة بين تل أبيب وواشنطن: الدفع نحو تسويات في سوريا ولبنان، تعاظم العلاقة بين ترامب وأردوغان، توقيع اتفاق دفاعي مع قطر بعد الغارة الإسرائيلية الفاشلة على الدوحة، وإلزام نتنياهو بتقديم اعتذار. وعلى الرغم من ذلك، يروّج مسؤولون إسرائيليون رواية مغايرة، تزعم أن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل "ممتاز" وأن الانتقادات هامشية.

ويبرز الخلل ذاته في تصاعد العداء تجاه مصر، استناداً إلى مصادر غامضة وادعاءات غير موثقة عن نوايا هجومية، قبل أن يتدخل ترامب لفرض خطوات تهدئة، شملت الضغط لتوقيع اتفاق غاز مع القاهرة، تمهيداً لقمة مرتقبة بين نتنياهو والسيسي.

تحذير كيسنجر

يخلص ميلشتاين إلى أن مقولة هنري كيسنجر الشهيرة بأن إسرائيل لا تمتلك سياسة خارجية بل سياسة داخلية، تبدو اليوم أكثر دقة وخطورة من أي وقت مضى. فما جرى منذ السابع من تشرين الأول يمثل تصعيداً مقلقاً لهذه الظاهرة، يسبب ضرراً استراتيجياً عميقاً، ويمس بصورة إسرائيل كدولة تدّعي أنها تتحرك وفق استراتيجية منظمة وحكمة سياسية.

وفي هذا السياق، يستحضر الكاتب تحذيراً آخر لكيسنجر: الخطوات التي تبدو ضرورية في لحظة معينة قد تتحول إلى مصدر خطر إذا استُخدمت لفترة طويلة، وهو ما ينطبق، برأيه، على سياسة إسرائيل الحالية التي ترفض مراجعة الماضي، وتتعامل مع النقد بوصفه مؤامرة، فتدور في حلقة مدمرة تُنتج مزيداً من الإخفاقات بدل تصحيح المسار.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

السياسة الإسرائيلية: خللٌ بنيوي في التمييز بين الصديق والعدو - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°