قال الكاتب يوفال سادي إن صفقة بيع الغاز "الإسرائيلي" إلى مصر، التي أُعلن عنها رسمياً عبر تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الطاقة إيلي كوهين، لا يمكن فهمها فقط باعتبارها اتفاقاً اقتصادياً أو خطوة في مسار التعاون الإقليمي، بل باعتبارها نموذجاً صارخاً لنهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة السياسة الخارجية، حيث تتقدّم المصالح التجارية الأمريكية على أي اعتبار دبلوماسي أو سياسي آخر.
وأضاف سادي، في مقال نُشر على موقع N12، أن التغريدة التي نشرها الحساب الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، ووصفت الصفقة بأنها «انتصار كبير للأعمال الأمريكية» وركيزة للاستقرار الإقليمي وإعادة إعمار غزة، كشفت بوضوح هوية الرابح الأساسي من الاتفاق، مؤكدة أن واشنطن ترى نفسها شريكاً ذا مصلحة مباشرة، لا وسيطاً محايداً، انسجاماً مع مبدأ «أمريكا أولاً» الذي يحكم سياسات ترامب.
منطق الصفقة
يوضح الكاتب أن الصفقة، التي ستبيع بموجبها إسرائيل لمصر نحو 131 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، عُرضت داخلياً في إسرائيل كإنجاز جيوسياسي، في حين أن جوهرها الحقيقي يتمثل في كونها صفقة ضخمة لصالح شركة «شيفرون» الأمريكية، التي تسيطر فعلياً على قرابة 90% من إنتاج وتشغيل الغاز الإسرائيلي. ومن هذا المنظور، لم يكن الضغط الأمريكي نابعاً من حرص على مصالح إسرائيل أو استقرار المنطقة فقط، بل من مصلحة اقتصادية أمريكية مباشرة.
ويضيف أن هذه المقاربة تفسر اللغة التي استخدمتها الخارجية الأمريكية، والتي قدّمت الصفقة أولاً باعتبارها مكسباً للأعمال الأمريكية، ثم ألحقت بها لاحقاً عبارات عن الاستقرار الإقليمي، في انقلاب واضح على الخطاب الدبلوماسي التقليدي الذي كان يغلّف المصالح الاقتصادية بشعارات سياسية.
ضغوط واشنطن
يشير سادي إلى أن صفقة الغاز ليست حالة استثنائية، بل جزء من سلسلة مطالب أمريكية فرضتها إدارة ترامب على إسرائيل في الأشهر الأخيرة، شملت حماية احتكار «شيفرون» للغاز، والاعتراض على تنظيمات إسرائيلية تمس شركات أمريكية مثل «نتفليكس»، والدفع نحو اتفاقات تجارية وزراعية تخفّض الرسوم على المنتجات الأمريكية، وصولاً إلى التزام إسرائيلي بشراء القمح من الولايات المتحدة.
وفي المقابل، لم تحصل إسرائيل على مكاسب موازية، بل واجهت رسوماً جمركية أمريكية بنسبة 15% على صادراتها، إلى جانب قلق متزايد بشأن مستقبل المساعدات العسكرية. ويخلص الكاتب إلى أن العلاقة لم تعد تُدار بوصفها شراكة متكافئة، بل كعلاقة بين قوة عظمى ودولة حليفة لكنها واقعة تحت الضغط.
المكسب والخسارة
من وجهة نظر المواطن الإسرائيلي، يرى الكاتب أن الاتفاق لم يُصمَّم أساساً لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي، بدليل أن إسرائيل كانت تفضّل سعراً أقل للغاز المخصص للسوق المحلية، ومرونة أكبر في توجيه الغاز لاعتبارات جيوسياسية مستقبلية، مثل تزويد الأردن أو حتى دول لا تربطها بها اتفاقيات سلام حالياً. كما حذّرت وزارتا الخارجية والمالية من مخاطر استنزاف الاحتياطي الإسرائيلي خلال نحو 25 عاماً، بما قد يفرض على إسرائيل مستقبلاً استيراد الغاز بدلاً من تصديره.
ويؤكد سادي أن المشكلة لا تكمن فقط في توقيع اتفاق «غير مثالي» تحت الضغط، بل في الطريقة التي جرى تسويقه بها داخلياً، عبر احتفالية سياسية تخفي حقيقة أن إسرائيل لم تكن الطرف الأقوى في المفاوضات، وأن الصفقة جاءت لتلبية احتياجات الصناعة الأمريكية قبل أي اعتبار آخر.
ما بعد الغاز
في ختام العرض، يشدد الكاتب على أن السيناريو الذي قد تنفد فيه موارد الغاز خلال عقود قليلة يفرض على إسرائيل التفكير بجدية في تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، وهي المجال الذي تتخلف فيه عن كثير من دول العالم. ويحذر من استلهام نموذج إدارة ترامب في هذا المجال، داعياً إلى النظر نحو تجارب دول مثل الصين، التي تستعد مبكراً لعصر ما بعد النفط والغاز، وتقدّم نموذجاً مختلفاً لإدارة المستقبل الطاقوي.










