قفزت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي جديد، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وهو توتر أعاد تحريك الأسواق العالمية ودفع المستثمرين إلى البحث عن الملاذات الآمنة وعلى رأسها الذهب، ما يعكس تداخل السياسة الدولية مع حركة الاقتصاد العالمي وأسعار السلع الاستراتيجية.
ارتفاع قياسي لأسعار الذهب
سجل الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعاً بنسبة 0.8 بالمئة ليصل إلى 4483.60 دولاراً للأونصة، بينما صعدت العقود الأمريكية الآجلة تسليم فبراير بنسبة 1.08 بالمئة لتبلغ 4517.60 دولاراً للأونصة، وهو أعلى مستوى تاريخي يصل إليه المعدن الأصفر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الصدام السياسي والعسكري بين واشنطن وكاراكاس.
هذا الارتفاع لم يكن منعزلاً عن السياق السياسي، إذ ينظر المستثمرون تقليدياً إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات عدم اليقين، سواء كان هذا القلق ناجماً عن حروب أو أزمات مالية أو صراعات جيوسياسية تهدد استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
السياسة النقدية الأمريكية تعزز صعود الذهب
إلى جانب التوتر السياسي، لعبت التوقعات بمزيد من التيسير في أسعار الفائدة الأمريكية العام المقبل دوراً مهماً في دعم أسعار الذهب، حيث يؤدي انخفاض الفائدة إلى تراجع جاذبية الدولار والسندات، ما يدفع رؤوس الأموال إلى الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.
وتتوقع مجموعة غولدمان ساكس، إلى جانب عدد من البنوك العالمية، استمرار الاتجاه الصاعد لأسعار الذهب خلال عام 2026، في ظل بيئة عالمية تتسم بتقلبات سياسية حادة وتباطؤ اقتصادي محتمل، ما يعزز الطلب على المعدن النفيس كأداة تحوط طويلة الأمد.
واشنطن وفنزويلا تصعيد متبادل يهدد أسواق الطاقة والتجارة الدولية
في خلفية هذا الارتفاع القياسي، تتصاعد الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا على نحو متسارع، حيث أقر البرلمان الفنزويلي، يوم الاثنين، تشريعاً يضمن حرية الملاحة والتجارة، في خطوة اعتُبرت رداً مباشراً على استهداف الولايات المتحدة لناقلات النفط الخاضعة للعقوبات.
وجاء هذا التشريع عقب احتجاز الولايات المتحدة ناقلتي نفط قبالة السواحل الفنزويلية، في سياق إعلان واشنطن نيتها مصادرة جميع ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، بذريعة أن عائدات النفط تُستخدم في تمويل ما وصفته بـ إرهاب المخدرات.
النفط الفنزويلي في قلب الصراع وتأثيره المباشر على الاقتصاد العالمي
يمثل النفط الفنزويلي عنصراً حساساً في معادلة الاقتصاد العالمي، إذ إن أي اضطراب في تدفقه أو تصعيد عسكري أو بحري في محيطه يرفع منسوب القلق في أسواق الطاقة، ويؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط، ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم عالمياً.
ومع ارتفاع المخاوف من تعطّل سلاسل الإمداد أو توسيع نطاق الحصار البحري، يتجه المستثمرون إلى الذهب باعتباره مخزناً للقيمة في مواجهة التضخم واضطرابات الطاقة، وهو ما يفسر العلاقة المباشرة بين تصاعد الأزمة الفنزويلية الأمريكية والقفزات السريعة في أسعار الذهب.
تهديدات ترامب ومخاوف الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة
زاد من حدة القلق في الأسواق تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، بإحاطة فنزويلا بأسطول بحري ضخم، ودعوته الصريحة له للتنحي عن منصبه، وهي تصريحات رفعت مستوى المخاطر السياسية من مجرد عقوبات اقتصادية إلى احتمال احتكاك عسكري مباشر.
مثل هذه التهديدات لا تؤثر فقط على فنزويلا، بل تضرب ثقة الأسواق العالمية، وتدفع المستثمرين والمؤسسات المالية الكبرى إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية بعيداً عن الأصول عالية المخاطر، باتجاه الذهب والمعادن النفيسة.
يستفيد الذهب من هذا النوع من الأزمات لعدة أسباب متشابكة، أولها أنه أصل لا يرتبط بعملة أو دولة بعينها، وثانيها أنه أداة تحوط تقليدية ضد التضخم واضطراب أسواق الطاقة، وثالثها أن التوتر بين واشنطن وفنزويلا يهدد استقرار أسواق النفط والنقل البحري، ما يخلق حالة عدم يقين عالمية تدفع الطلب على الملاذات الآمنة.
وبينما تتجه الأنظار إلى مسار الأزمة بين البلدين، يبقى الذهب المؤشر الأوضح على مستوى القلق في الأسواق، حيث يعكس ارتفاعه القياسي مخاوف المستثمرين من أن يتحول التصعيد السياسي إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع، تتجاوز حدود أمريكا اللاتينية لتطال النظام المالي الدولي بأكمله.











