تمثل مصادقة الكنيست الصهيوني بالقراءتين الثانية والثالثة على تمديد ما يُعرف باسم «قانون الجزيرة» وتحويله إلى قانون دائم نقطة تحول مفصلية في مسار التشريعات الصهيونية المقيدة لحرية الإعلام، إذ لم يعد القانون مرتبطًا بحالة طوارئ أو ظرف أمني استثنائي كما كان عند سنّه لأول مرة في أبريل 2024، بل جرى تثبيته كإطار تشريعي دائم يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة وغير مسبوقة في التعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية على حد سواء.
القانون الذي صُمم أساسًا لاستهداف شبكة الجزيرة القطرية، جاء في ذروة حرب الإبادة على غزة، حين لجأت حكومة بنيامين نتنياهو إلى تبرير الإجراءات الاستثنائية باعتبارات «الأمن القومي» و«التحريض»، إلا أن إعادة إقراره بصيغته الموسعة والدائمة تكشف انتقال الاحتلال من إدارة الأزمة الإعلامية إلى هندسة بيئة إعلامية مغلقة تُدار بقرارات سياسية مباشرة دون رقابة قضائية فعالة.
قانون الجزيرة: صلاحيات مفتوحة بلا رقابة
بموجب قانون الجزيرة، بات وزير الاتصالات الصهيوني، شلومو قرعي، مخولًا بقرار إداري، وبموافقة رئيس الحكومة أو «الكابينت»، إغلاق مكاتب أي وسيلة إعلام أجنبية، ومصادرة معداتها، ووقف بثها التقليدي والرقمي، بما في ذلك الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، بدعوى إلحاق «ضرر فعلي بأمن الدولة»، دون الحاجة لإعلان حالة طوارئ أو استصدار قرار قضائي من المحكمة المختصة.
هذا التحول التشريعي يعكس نزعة واضحة لتهميش السلطة القضائية وإقصائها عن واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي حرية الصحافة، ما يفتح الباب أمام استخدام القانون كأداة سياسية لإسكات الروايات المخالفة للسردية الرسمية، خصوصًا في ما يتعلق بتغطية الجرائم والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
استهداف الجزيرة ضمن سياق أوسع لتقييد الإعلام
رغم أن القانون يحمل اسم «قانون الجزيرة»، فإن مفاعيله تتجاوز القناة القطرية إلى بنية الإعلام بأكملها داخل إسرائيل والأراضي المحتلة. فقد سبقه إغلاق مكاتب الجزيرة في القدس في مايو 2024، ثم إغلاقها في الضفة الغربية في سبتمبر من العام نفسه، كما طُبق الإطار ذاته سابقًا على قناة «الميادين» اللبنانية في نوفمبر 2023.
وفي السياق نفسه، صادقت حكومة الاحتلال على قرار إغلاق إذاعة جيش الاحتلال «غالي تساهال» بعد 75 عامًا من البث، في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين الحكومة والمؤسسات الإعلامية، حتى تلك التابعة للمؤسسة العسكرية، وسط مخاوف متزايدة من إعادة تشكيل المجال الإعلامي بما يخدم أجندة سياسية يمينية متشددة.

دلالات التصويت البرلماني المحدود
ورغم أن عدد النواب الذين صوتوا لصالح قانون الجزيرة لا يتجاوز 22 نائبًا من أصل 120، إلا أن تمريره بأغلبية الحاضرين يكشف هشاشة التوازنات الديمقراطية داخل الكنيست، حيث باتت القوانين ذات الأثر العميق على الحقوق والحريات تمر بأقل قدر من التمثيل الشعبي، في ظل غياب معارضة فعالة، باستثناء النواب العرب الذين صوتوا ضد القانون.
هذا المشهد يعزز الانتقادات الدولية المتزايدة لإسرائيل بوصفها دولة تتجه نحو تآكل المعايير الديمقراطية، وتُقنن القمع الإعلامي بدلًا من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة تُبرر بظروف الحرب.
انعكاسات على صورة الاحتلال وحرية الإعلام
تحويل «قانون الجزيرة» إلى تشريع دائم لا يؤثر فقط على حرية الإعلام، بل ينعكس مباشرة على صورة الاحتلال الدولية، خصوصًا في ظل تصاعد التقارير الحقوقية التي توثق استهداف الصحفيين ومنع التغطية المستقلة. فالقانون يكرس رواية واحدة للصراع، ويعزز الشبهات بأن إسرائيل تسعى إلى إدارة الحرب إعلاميًا عبر الإقصاء والمنع بدل المواجهة القانونية للروايات الأخرى.
وبذلك، لا يمكن قراءة مصادقة الكنيست على القانون باعتبارها إجراءً تقنيًا أو أمنيًا معزولًا، بل كجزء من تحول بنيوي في فلسفة الحكم داخل الاحتلال، يقوم على تقييد المجال العام، وإخضاع الإعلام لمنطق السيطرة السياسية، في وقت تتزايد فيه حاجة المجتمع الدولي إلى إعلام حر يكشف الوقائع دون قيود أو وصاية.










