21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لبنان تحت النار: 3 شهداء وغارات لـ8 طائرات إسرائيلية.. وكاتس يهدد بالمزيد

خلال الساعات الأخيرة، سجّلت سلسلة اعتداءات متلاحقة، كان أبرزها استهداف سيارة بين بلدتي الجميجمة ومجدل سلم في جنوب لبنان، ما أدى إلى استشهاد عنصر من حزب الله وفق إعلان جيش الاحتلال.

بقلم: عمرو المصري
٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
25 مشاهدة
قصف إسرائيلي جنوب لبنان

قصف إسرائيلي جنوب لبنان

تشهد الساحة اللبنانية، ولا سيما الجنوب والبقاع، تصعيدًا إسرائيليًا متواصلًا يتجاوز حدود الخروقات التكتيكية إلى نمط عدواني ممنهج، يعكس توجّهًا واضحًا لدى حكومة الاحتلال نحو إعادة فرض قواعد اشتباك جديدة بالقوة. فالغارات الجوية والاستهدافات الدقيقة لم تعد محصورة بمناطق تماس تقليدية، بل امتدت إلى عمق جغرافي أوسع، في خرق صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر 2024.

وخلال الساعات الأخيرة، سجّلت سلسلة اعتداءات متلاحقة، كان أبرزها استهداف سيارة بين بلدتي الجميجمة ومجدل سلم في جنوب لبنان، ما أدى إلى استشهاد عنصر من حزب الله وفق إعلان الجيش الإسرائيلي، وتأكيد قناة “الحدث” سقوط شهيد في الغارة. هذا الاستهداف يأتي ضمن سياسة “الضربات الموضعية” التي تعتمدها تل أبيب لتكريس حق مزعوم في الاغتيال داخل الأراضي اللبنانية.

غارة إسرائيلية تستهدف سيارة بين الجميجمة ومجدل سلم في جنوب لبنان.
غارة إسرائيلية تستهدف سيارة بين الجميجمة ومجدل سلم في جنوب لبنان.

 

لبنان تحت النار

لم يقتصر التصعيد على الجنوب، بل امتدّ بشكل لافت إلى البقاع الشمالي، في مؤشر على اتساع نطاق العدوان. ففي صباح يوم عيد الميلاد، نفّذت مسيّرة إسرائيلية غارة استهدفت سيارة نقل ركاب على الطريق بين حوش السيد علي والهرمل، ما أسفر عن استشهاد شخصين وإصابة ثالث بجروح بالغة، نُقل على إثرها إلى مستشفى البتول بحالة حرجة.

وأكد مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية أن الغارة أدت إلى سقوط شهيدين، في وقت واصل فيه الطيران المسيّر التحليق على علو منخفض في أجواء المنطقة، ما خلق حالة من التوتر الأمني والشعبي. ويعكس هذا التطور انتقال إسرائيل من سياسة “الضغط الحدودي” إلى توسيع بنك الأهداف جغرافيًا، في رسالة مباشرة بأن كل لبنان بات ضمن مسرح العمليات.

غارات ليلية واستباحة جوية

تزامن التصعيد البري والجوي مع استباحة شبه دائمة للأجواء اللبنانية. فقد أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن سربًا من 8 طائرات إسرائيلية حلّق فوق بعلبك وقرى القضاء على علو مرتفع قبل أن ينكفئ باتجاه السلسلة الشرقية، فيما واصل الطيران المسيّر التحليق فوق الضاحية الجنوبية ومناطق متفرقة من الجنوب.

وفي سياق الغارات الليلية، استُهدفت بلدة جناتا في قضاء صور، ما أدى إلى إصابة مواطن بجروح، كما قصفت إسرائيل محيط بلدتي زفتا والنميرية وواديًا بين حومين ورومين، بالتوازي مع تحليق استطلاعي مكثف، ما يؤكد أن الخروقات ليست ردود فعل معزولة، بل جزء من نمط عملياتي ثابت.

اتفاق مفرغ من مضمونه

يأتي هذا التصعيد رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله منذ نوفمبر 2024، والذي يُفترض أن يحدّ من الأعمال العدائية. إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن تل أبيب تتعامل مع الاتفاق بوصفه إطارًا شكليًا، تستخدمه سياسيًا، بينما تفرغه عمليًا من مضمونه عبر الضربات المتكررة.

وفي المقابل، تترافق الغارات مع ضغوط سياسية وأمنية على الدولة اللبنانية، في ظل إعلان الحكومة مواصلة تنفيذ بند نزع السلاح جنوب نهر الليطاني، تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى شماله مطلع العام المقبل، وفق ما صرّح به رئيس الحكومة نواف سلام. وتبدو إسرائيل في هذا السياق كمن يستثمر هذا المسار اللبناني الداخلي لتكريس تفوق ميداني، وفرض معادلة “الالتزام من طرف واحد”.

قواعد اشتباك على حافة الانهيار

تعكس التطورات الميدانية أن قواعد الاشتباك القائمة منذ سنوات باتت على حافة الانهيار. فسياسة الاغتيالات، والاستهداف في العمق، والتحليق الجوي المكثف، كلها مؤشرات على أن إسرائيل لم تعد تلتزم بالسقوف غير المعلنة التي حكمت الجبهة اللبنانية سابقًا.

ويزداد خطر الانفجار مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي الرسمي. إذ توعّد وزير الحرب يسرائيل كاتس بمواصلة العمليات في لبنان “بأقصى درجات القوة”، مؤكدًا أن اتفاقات وقف إطلاق النار لن تقيد يد الجيش. كما شدد رئيس الأركان إيال زامير على أن “الاستعدادات لا تتوقف”، في حين لوّح نتنياهو بأن “الأعداء يعيدون تسليح أنفسهم”، ما يستوجب ضربهم مجددًا.

وزير الحرب الصهيوني كاتس


هذا الخطاب، المترافق مع أفعال ميدانية، يفتح الباب أمام سيناريوهين: إما استمرار الاستنزاف المحدود ضمن هامش محسوب، أو انهيار كامل لقواعد الاشتباك والدخول في مواجهة أوسع يصعب ضبطها.

الجنوب في قلب المعادلة الإقليمية

يشكّل الجنوب اللبناني حجر الزاوية في أي مواجهة إقليمية مقبلة. فبالنسبة لإسرائيل، يبقى الجنوب الجبهة الأكثر حساسية، نظرًا لتداخلها مع ملف غزة، والبعد الإيراني، ودور حزب الله كفاعل إقليمي. لذلك، تسعى تل أبيب إلى إعادة رسم معادلة الردع هناك، سواء عبر الضربات الموضعية أو عبر التهديد بحرب أوسع.

في المقابل، فإن الجنوب ليس ساحة معزولة، بل جزء من مشهد إقليمي مترابط. فالتصعيد في لبنان يتزامن مع تهديدات إسرائيلية متكررة لإيران، وغارات في سوريا، وعمليات في اليمن، ما يعكس استراتيجية “تعدد الجبهات” التي تعتمدها حكومة نتنياهو بدعم أمريكي واضح.

تكشف الخروقات الإسرائيلية الأخيرة أن لبنان يقف أمام اختبار خطير: إما نجاح الجهود الدبلوماسية في كبح الانزلاق، أو انفجار تدريجي قد يتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع. ومع استمرار العدوان، وتآكل قواعد الاشتباك، يبقى الجنوب اللبناني نقطة الاشتعال الأكثر قابلية لتحويل أي خطأ تكتيكي إلى حرب شاملة، في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الحروب، لكنها تُدفع إليها قسرًا بفعل حسابات الاحتلال وحلفائه.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال