21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

انتخابات تحت التهديد: كيف فرض ترامب نصري عصفورة على هندوراس؟

يأتي انتخاب عصفورة في هندوراس ضمن سياق إقليمي أوسع يشهد صعودًا متسارعًا لليمين في أمريكا اللاتينية، بعد أيام فقط من فوز اليميني المتطرف خوسيه أنطونيو كاست برئاسة تشيلي.

بقلم: عمرو المصري
٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
رئيس هندوراس الجديد نصري عصفورة رجل أعمال يبلغ من العمر 67 عاما وهو ابن مهاجرين فلسطينيين (الفرنسية)

رئيس هندوراس الجديد نصري عصفورة رجل أعمال يبلغ من العمر 67 عاما وهو ابن مهاجرين فلسطينيين (الفرنسية)

أعلنت السلطات الانتخابية في هندوراس فوز المرشح اليميني نصري خوان عصفورة زبلح بالانتخابات الرئاسية التي جرت في 30 نوفمبر، بعد أسابيع من التأخير في فرز الأصوات، وسط اتهامات واسعة بالتزوير والطعن في نزاهة العملية الانتخابية. وجاء الإعلان الرسمي ليضع حدًا مؤقتًا لأزمة سياسية محتدمة، لكنه فتح في المقابل نقاشًا أوسع حول طبيعة هذا الفوز وحدود استقلال القرار السياسي في واحدة من أفقر دول أمريكا اللاتينية.

وحصل عصفورة، رجل الأعمال البالغ من العمر 67 عامًا، على نحو 40.1% من الأصوات، متقدمًا بفارق ضئيل على منافسه اليميني سلفادور نصر الله، فيما مُني اليسار الحاكم بهزيمة قاسية بحصول مرشحته على أقل من 20%. ورغم المصادقة الرسمية على النتائج، فإن ضآلة الفارق وحدّة الانقسام السياسي أبقت شرعية الفوز محل جدل داخلي واسع.

ضغط أمريكي مباشر

لم يكن فوز عصفورة حدثًا انتخابيًا معزولًا عن السياق الدولي، بل جاء في ظل تدخل أمريكي غير مسبوق في مسار الانتخابات. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه الصريح لعصفورة قبل أيام من الاقتراع، مقرنًا ذلك بتهديد مباشر بتقليص أو وقف المساعدات الأمريكية لهندوراس في حال عدم فوز “مرشحه المفضل”.

وكتب ترامب حينها على منصته “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة “لن تنفق أموالًا طائلة على شيء سيئ”، في رسالة فُهمت على نطاق واسع كابتزاز سياسي لدولة تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية واعتماد كبير على الدعم الخارجي. هذا التهديد، الذي تكرر بأسلوب مشابه في تجارب أمريكية لاتينية أخرى، أعاد إلى الواجهة أدوات الضغط التقليدية لواشنطن في توجيه خيارات الناخبين والحكومات.

فرز متعثر وشكوك عميقة

رافق العملية الانتخابية تعثر كبير في فرز الأصوات، حيث أُعلن عن توقفات متكررة في نقل النتائج الأولية، بررتها السلطات بمشاكل تقنية لدى الشركة الخاصة المسؤولة عن النظام الإلكتروني. غير أن هذه التبريرات لم تُقنع منافسي عصفورة، وعلى رأسهم سلفادور نصر الله، الذي طالب بإعادة فرز شاملة، واعتبر أن “السلطات الانتخابية خانت الشعب الهندوراسي”.

عملية الفرز شابتها اتهامات بالتزوير (أسوشيتد برس)
عملية الفرز شابتها اتهامات بالتزوير (أسوشيتد برس)


 

ورغم قيام المجلس الوطني للانتخابات بإعادة فرز نهائية لعدد من مراكز الاقتراع، فإن الشكوك ظلت قائمة. صحيح أن بعثتي منظمة الدول الأمريكية والاتحاد الأوروبي أعلنتا عدم رصد مخالفات جسيمة، لكن ذلك لم يبدد الانطباع بأن العملية جرت تحت ضغط سياسي خارجي كثيف، أفقدها جزءًا من مصداقيتها الشعبية.

سقوط اليسار الحاكم

شكّل فوز عصفورة ضربة قوية لحزب “الحرية وإعادة التأسيس” اليساري، الذي قاد البلاد خلال السنوات الماضية برئاسة شيومارا كاسترو. فقد حل مرشح الحزب في المركز الثالث بفارق كبير، في نتيجة عُدّت بمثابة تصويت عقابي ضد الأداء الاقتصادي والاجتماعي للحكومة المنتهية ولايتها، وكذلك ضد عجزها عن تحييد التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي.

سلفادور نصر الله حلّ ثانيا في الانتخابات الرئاسية (أسوشيتد برس)
سلفادور نصر الله حلّ ثانيا في الانتخابات الرئاسية (أسوشيتد برس)


هذا التراجع لا يعكس فقط أزمة داخلية في اليسار الهندوراسي، بل يندرج ضمن موجة أوسع من انحسار القوى التقدمية في أمريكا اللاتينية، لصالح قوى يمينية تقدم نفسها بوصفها أكثر انسجامًا مع واشنطن وأجندتها الأمنية والاقتصادية.

المد اليميني الإقليمي

يأتي انتخاب عصفورة في سياق إقليمي أوسع يشهد صعودًا متسارعًا لليمين في أمريكا اللاتينية، بعد أيام فقط من فوز اليميني المتطرف خوسيه أنطونيو كاست برئاسة تشيلي، واستمرار نفوذ شخصيات مثل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي. وقد سارع ميلي وقادة يمينيون آخرون إلى تهنئة عصفورة، في إشارة واضحة إلى تشكل محور يميني عابر للحدود، ينسق سياسيًا وأيديولوجيًا مع واشنطن.

هذا التحول لا يقتصر على الخيارات الاقتصادية، بل يمتد إلى ملفات الأمن والهجرة، حيث ترى الولايات المتحدة في هذه الحكومات شركاء أكثر استعدادًا لتنفيذ سياسات ضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية، حتى على حساب الاعتبارات الاجتماعية والحقوقية.

هندوراس على خط واشنطن

الترحيب الأمريكي السريع بفوز عصفورة، والذي عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، كشف بوضوح الرهانات الأمريكية على الإدارة الجديدة. فقد أكد روبيو تطلع واشنطن إلى “تعزيز التعاون الأمني” و”إنهاء الهجرة غير الشرعية”، ما يعكس طبيعة الدور المتوقع لهندوراس في الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية.

وبينما قدّم عصفورة نفسه كسياسي براغماتي يركز على البنية التحتية والتنمية، فإن مسار صعوده إلى السلطة يوحي بأن ولايته ستكون محكومة بهوامش ضيقة، تحددها أولويات واشنطن أكثر مما تحددها مطالب الداخل الهندوراسي.

فوز بطعم الوصاية

في المحصلة، لا يمكن قراءة فوز نصري عصفورة بمعزل عن التهديدات الأمريكية الصريحة، ولا عن موجة اليمين الصاعدة في أمريكا اللاتينية. فالانتخابات التي كان يفترض أن تعبّر عن إرادة شعبية مستقلة، تحولت إلى ساحة اختبار جديدة لمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض خياراتها عبر الضغط الاقتصادي والسياسي.

وبين شرعية انتخابية مطعون فيها، واصطفاف إقليمي يميني متسارع، تقف هندوراس أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية، قد تعمّق الاستقطاب الداخلي وتعيد إنتاج علاقة تبعية قديمة، بثوب انتخابي جديد.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال