4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الضفة تحت النار اليومية: هل يحوّلها الاحتلال إلى ساحة ضغط بديلة بعد غزة؟

تشهد الضفة الغربية، منذ أشهر، تصعيدًا يوميًا متواصلًا في عمليات الاقتحام والاعتقال، بلغ ذروته خلال الأسابيع الأخيرة، في نمط أمني بات ثابتًا وممنهجًا.

بقلم: عمرو المصري
٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
21 مشاهدة
اعتقالات الضفة

اعتقالات الضفة

تشهد الضفة الغربية، منذ أشهر، تصعيدًا يوميًا متواصلًا في عمليات الاقتحام والاعتقال، بلغ ذروته خلال الأسابيع الأخيرة، في نمط أمني بات ثابتًا وممنهجًا. فجر الاثنين 29 ديسمبر 2025، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات واسعة طالت مدنًا وبلدات ومخيمات في الخليل، رام الله، نابلس، بيت لحم وطولكرم، ترافقت مع اعتقالات، اعتداءات جسدية، وتخريب للمنازل.

في محافظة الخليل، اعتُقل ثلاثة مواطنين بعد اقتحام منازلهم والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، فيما نصبت قوات الاحتلال عشرات الحواجز العسكرية، وأغلقت الطرق الرئيسية والفرعية بالبوابات الحديدية والمكعبات الإسمنتية، في مشهد يعكس سياسة العقاب الجماعي والخنق الميداني المتعمد. هذه الإجراءات، التي باتت يومية، لا تستهدف مطلوبين محددين بقدر ما تستهدف البيئة الاجتماعية بأكملها.

الاعتقال كأداة ضبط

في بلدة سلواد شمال شرق رام الله، اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال البلدة فجرًا، وداهمت عددًا من المنازل وعاثت فيها خرابًا، واعتقلت ستة شبان، بينهم أسرى محررون. ويعكس هذا النمط تركيز الاحتلال على فئة الأسرى السابقين، في محاولة لمنع إعادة تشكل أي بنية تنظيمية أو مقاومة محتملة.

الأمر ذاته تكرر في نابلس، حيث اعتُقل شاب من قرية زواتا وآخر من مخيم بلاطة بعد اقتحام المنازل وتفتيشها، وفي بيت فجار جنوب بيت لحم حيث اعتُقل طفل يبلغ من العمر 16 عامًا، في مؤشر خطير على توسيع دائرة الاستهداف لتشمل القُصّر، بما يحمله ذلك من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى.

عنف ميداني ورسائل ردع

لم يقتصر التصعيد على الاعتقالات، بل شمل عنفًا ميدانيًا مباشرًا، كما حدث في مدينة طولكرم، حيث أُصيب مواطن بجروح بعد أن صدمت آلية عسكرية إسرائيلية مركبته بشكل متعمد، أعقبه انتشار لقوات الاحتلال في المكان. هذا السلوك، الذي يتكرر في مدن الضفة، يحمل رسائل ردع واضحة، مفادها أن الاحتلال لا يتورع عن استخدام القوة المفرطة خارج أي سياق أمني حقيقي.

كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيت فجار جنوب بيت لحم مساء الأحد، وتمركزت في أحياء سكنية وداهمت منازل دون تنفيذ اعتقالات، في نمط بات يُعرف بسياسة “الاقتحام من أجل الاقتحام”، بهدف بث الرعب واستنزاف السكان نفسيًا.

تفكيك الاستقرار الاجتماعي

هذا الإيقاع اليومي من الاقتحامات والاعتقالات يترك آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي في الضفة الغربية. فالعائلات تعيش حالة دائمة من القلق، الأطفال يكبرون في ظل مشاهد السلاح والاعتقال، والاقتصاد المحلي يتأثر بفعل الإغلاقات والحواجز وتعطيل الحركة. ومع الوقت، تتحول الحياة اليومية إلى حالة طوارئ مفتوحة.

الاحتلال، عبر هذه السياسة، لا يكتفي بضرب البعد الأمني، بل يستهدف الاستقرار الاجتماعي نفسه، عبر إنهاك المجتمع، وكسر الإحساس بالأمان، وخلق حالة من التوتر الدائم القابل للانفجار في أي لحظة.

الضفة كساحة ضغط بديلة

في البعد التحليلي الأوسع، تطرح هذه التطورات سؤالًا مركزيًا: هل تتحول الضفة الغربية إلى ساحة ضغط بديلة في ظل ترتيبات ما بعد غزة؟ فمع انشغال الاحتلال بملف غزة وتداعيات الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، يبدو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع الضفة باعتبارها الجبهة الأكثر “قابلية للضبط” عبر الأدوات العسكرية والأمنية المباشرة.

تكثيف الاقتحامات والاعتقالات قد يكون رسالة مزدوجة: للفلسطينيين، بأن أي محاولة لفتح جبهة موازية ستُواجه بقمع استباقي واسع؛ وللأطراف الإقليمية والدولية، بأن الاحتلال ما زال يملك زمام السيطرة الأمنية على الضفة، وقادر على فرض الوقائع بالقوة.

مفارقة السيطرة والانفجار

غير أن هذه السياسة تحمل في طياتها مفارقة خطيرة. فكلما زادت القبضة الأمنية، زادت احتمالات الانفجار. الضفة الغربية، التي تعيش أصلًا حالة احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي، قد تتحول بفعل هذا الضغط المستمر إلى ساحة اشتعال غير محسوبة، خاصة في ظل غياب أي أفق سياسي، وتآكل دور السلطة الفلسطينية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين بحماية جيش الاحتلال.

وبينما يراهن الاحتلال على أن القمع اليومي يضمن “الهدوء”، تشير التجارب السابقة إلى أن هذا الهدوء هش ومؤقت، وأن تحويل الضفة إلى ساحة ضغط بديلة قد يفتح الباب أمام موجة مواجهة أوسع، تتجاوز الحسابات الأمنية الضيقة.

واقع مفتوح على الاحتمالات

لا يمكن فصل الاقتحامات والاعتقالات اليومية في الضفة الغربية عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا عن تداعيات الحرب على غزة وترتيبات ما بعدها. الضفة اليوم ليست مجرد مسرح عمليات أمنية، بل ساحة اختبار لسياسة إسرائيلية تقوم على إدارة الصراع بالقوة، لا حله.

ومع استمرار هذا النهج، تبقى الضفة الغربية أمام واقع مفتوح على كل الاحتمالات: إما انفجار اجتماعي وأمني واسع، أو استمرار حالة الاستنزاف الطويل، التي يدفع ثمنها الفلسطينيون وحدهم، بينما يراكم الاحتلال وقائعه بالقوة، دون أي اكتراث بالاستقرار أو القانون الدولي.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال