تنظر النخب السياسية والإعلامية الإسرائيلية إلى اتفاقية الغاز مع مصر باعتبارها أكثر من صفقة اقتصادية ضخمة، بل كتحول بنيوي في مكانة إسرائيل الإقليمية. فبحسب ما كتبه عمانوئيل نافون في موقع N12، تُقدَّم الاتفاقية على أنها لحظة انتقال لإسرائيل من دولة مستهلكة للطاقة إلى لاعب محوري في أمن الطاقة بشرق المتوسط، ومورّد موثوق للغرب في زمن اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
هذا الخطاب يضع الصفقة في إطار استراتيجي واسع، يربط بين الغاز والأمن القومي، ويعتبر أن تدفقات الطاقة باتت أداة ردع ناعمة، توازي في أهميتها أدوات القوة العسكرية، خصوصًا في بيئة إقليمية غير مستقرة.
الطاقة كأداة نفوذ
في القراءة الإسرائيلية المؤيدة، يُنظر إلى الاتفاق مع مصر بوصفه تكريسًا لاعتماد متبادل طويل الأمد، يرفع كلفة أي توتر سياسي أو أمني بين الطرفين. فإسرائيل، وفق هذا المنظور، لا تبيع الغاز فقط، بل تبيع “الاستقرار وقابلية التنبؤ”، وهو ما يمنحها نفوذًا غير مباشر داخل دولة مركزية كمصر.
ويركّز نافون على أن البنية التحتية، مثل تطوير مسار أنابيب نيتسانا، تمنح إسرائيل قدرة تصديرية مرنة، وتتجاوز المخاطر البحرية، وتحوّل الغاز إلى أصل استراتيجي محمي بالمصالح الغربية، ولا سيما مع الانخراط المباشر لشركة “شيفرون” الأمريكية في حقل ليفياثان.
إسرائيل والغرب
تُبرز وسائل الإعلام العبرية المؤيدة أن الصفقة تعزّز مكانة إسرائيل كجزء لا يتجزأ من المنظومة الغربية، خصوصًا في ظل سعي أوروبا، منذ فبراير 2022، إلى تقليص اعتمادها على الغاز الروسي. في هذا السياق، يُنظر إلى الغاز الإسرائيلي، عبر مصر، كعنصر داعم لأمن الطاقة الأوروبي، حتى وإن لم يكن بديلًا كاملًا.
ويُقدَّم هذا الدور باعتباره مكسبًا سياسيًا لإسرائيل، إذ تتحول من عبء أمني إلى “أصل جيوسياسي” يخدم مصالح واشنطن وبروكسل، ويبرر استمرار الانخراط الغربي في حماية بنى الطاقة في شرق المتوسط.
الردع عبر الاعتماد المتبادل
أحد أكثر المفاهيم تكرارًا في التحليل العبري المؤيد هو “الاعتماد المتبادل كآلية ردع”. فالاتفاق، وفق نافون، يضيف بعدًا اقتصاديًا ملموسًا لاتفاق السلام الموقع عام 1979، بعد أن ظل السلام لعقود قائمًا على الترتيبات السياسية والأمنية أكثر من المصالح الاقتصادية العميقة.
هذا الاعتماد، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يهدف إلى ابتزاز مصر طاقويًا، بل إلى خلق شبكة مصالح تجعل الاستقرار الخيار الأكثر عقلانية للطرفين، وتدفع القاهرة إلى سلوك أكثر حذرًا في ملفات حساسة، من بينها غزة والتوازنات الإقليمية.
الوجه الآخر للصفقة
في المقابل، تعكس مقالة شارون روبل في تايمز أوف إسرائيل تيارًا نقديًا واسعًا داخل المجتمع الإسرائيلي، يرى في الصفقة مقامرة خطيرة بمستقبل أمن الطاقة. هذا التيار لا ينكر المكاسب الجيوسياسية، لكنه يضعها في مواجهة كلفة داخلية مباشرة سيدفعها المواطن الإسرائيلي.
بحسب هذا الطرح، فإن تصدير 130 مليار متر مكعب من الغاز حتى 2040 يعني استنزاف نحو 15% من الاحتياطيات المؤكدة، وهو ما يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي لعقد كامل. ويخشى المنتقدون من أن يؤدي ذلك، خلال عقد واحد فقط، إلى نقص في المعروض المحلي وارتفاع أسعار الكهرباء.
المواطن في قلب المعادلة
تُحذّر “تايمز أوف إسرائيل”، نقلًا عن خبراء ومنظمات مدنية مثل “لوبي 99”، من أن إسرائيل قد تكرر تجربة دول كانت مكتفية ذاتيًا بالطاقة، ثم تحولت بفعل التصدير الحر إلى دول مستوردة بأسعار مرتفعة، كما حدث في هولندا وبريطانيا.
ويشير هؤلاء إلى أن أكثر من 70% من كهرباء إسرائيل تُنتَج حاليًا من الغاز المحلي، وأن أي تراجع في الاحتياطيات سيترجم مباشرة إلى ارتفاع في تكلفة المعيشة، مع تقديرات بزيادة محتملة تصل إلى 25% في فواتير الكهرباء على المدى المتوسط.
رهان الاكتشافات الجديدة
يدافع نتنياهو، وفق التغطية العبرية، عن الصفقة بالرهان على أن التصدير سيحفّز شركات الطاقة على تكثيف عمليات التنقيب واكتشاف حقول جديدة. غير أن هذا الرهان يواجه تشكيكًا واسعًا من خبراء جيولوجيا، بينهم مكتشف حقل تمار، يوسي لانغوتسكي، الذي يرى أن فرص العثور على اكتشافات بحجم تمار وليفياثان ضئيلة للغاية.
هذا التشكيك يعزز المخاوف من أن إسرائيل تستهلك موردًا محدودًا بناءً على وعود استثمارية غير مضمونة، بينما تضحي بهامش أمان استراتيجي في سوق الطاقة المحلي.
الغاز وغزة وتركيا
تربط بعض التحليلات العبرية بين اتفاق الغاز وسلوك مصر الإقليمي، خاصة في ملف غزة. فرغم التأكيد الرسمي المصري على الفصل بين الاقتصاد والسياسة، يرى كتّاب إسرائيليون أن الاعتماد الطاقوي العميق يميل عمليًا إلى تشكيل سلوك أكثر براغماتية، ويعزز دور القاهرة كوسيط “ضابط للإيقاع” بدلًا من طرف تصعيدي.
كما يُنظر إلى الاتفاق على أنه يعزز المحور الإسرائيلي–المصري–اليوناني–القبرصي، ويحدّ من قدرة تركيا على توظيف ملف الغاز وغزة لاختراق شرق المتوسط، في ظل عقيدة “الوطن الأزرق” التركية.
انقسام داخلي عميق
تكشف القراءة المجمعة للإعلام العبري أن اتفاقية الغاز مع مصر تحولت إلى مرآة لانقسام إسرائيلي أعمق: بين رؤية ترى في الغاز أداة قوة جيوسياسية تعزز الردع والاستقرار، ورؤية أخرى تخشى أن تكون هذه القوة مؤقتة، وتأتي على حساب أمن الطاقة والمواطن العادي.
وبينما تحتفي الحكومة بالصفقة كإنجاز تاريخي، يحذّر منتقدوها من أن إسرائيل قد تجد نفسها، خلال عقد واحد، مضطرة لاستيراد الغاز بأسعار مرتفعة، بعد أن باعت جزءًا كبيرًا من احتياطياتها تحت ضغط المصالح السياسية والشركات الكبرى.
اتفاق بين النفوذ والمخاطرة
يظهر من الإعلام العبري أن اتفاقية الغاز مع مصر ليست محل إجماع، بل ساحة صراع بين منطق النفوذ الخارجي ومنطق الحذر الداخلي. فهي، في نظر المؤيدين، تعزز مكانة إسرائيل كركيزة في أمن الطاقة الغربي، وتعمّق شبكات الردع غير العسكري في المنطقة.
أما في نظر المعارضين، فهي مقامرة طويلة الأجل، قد تترك إسرائيل بعد سنوات أمام معادلة قاسية: نفوذ إقليمي أكبر، لكن بثمن داخلي يدفعه المواطن عبر فواتير الكهرباء وتآكل الاستقلال الطاقوي.










