20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ترامب ونتنياهو في مارالاجو: توافق على إيران وصدام مؤجل حول غزة والضفة

لم تكن زيارة نتنياهو حدثًا معزولًا، بل جاءت ضمن نمط متصاعد من اللقاءات رفيعة المستوى مع إدارة ترامب خلال العام. فقد ذكرت وسائل إعلام عبرية أن هذا اللقاء هو الخامس المباشر بين الرجلين في 2025.

بقلم: عمرو المصري
٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
23 مشاهدة
عقد ترامب مؤتمرا صحفيا مع نتنياهو اجتماعهما في منتجع مارالاجو المملوك للرئيس الأمريكي

عقد ترامب مؤتمرا صحفيا مع نتنياهو اجتماعهما في منتجع مارالاجو المملوك للرئيس الأمريكي

شكّلت زيارة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، وهي الخامسة له خلال العام ذاته، مؤشرًا واضحًا على عمق الالتحام السياسي والأمني بين تل أبيب وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب. تمحور الحدث الأبرز حول اللقاء الذي جمع نتنياهو بترامب في منتجع مارالاجو بولاية فلوريدا في 29 ديسمبر 2025، حيث تصدّرت ملفات وقف إطلاق النار في غزة، والبرنامج النووي الإيراني، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى لبنان وسوريا، جدول المباحثات.

ورغم أجواء المديح العلني والاستعراض الإعلامي للتحالف، كشفت تفاصيل اللقاء عن توترات كامنة، أبرزها الخلاف حول وتيرة تنفيذ خطة غزة، وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية. تمتد الزيارة من 28 ديسمبر 2025 حتى 03 يناير 2026، وتخلل لقاء نتنياهو وترامب اتصالات مع نائب الرئيس جي. دي. فانس، بما يعكس انخراط الإدارة الأمريكية المباشر في إدارة ملفات الإقليم. 

خلفيات الزيارة

لم تكن زيارة نتنياهو حدثًا معزولًا، بل جاءت ضمن نمط متصاعد من اللقاءات رفيعة المستوى مع إدارة ترامب خلال العام. فقد ذكرت وسائل إعلام عبرية أن هذا اللقاء هو الخامس المباشر بين الرجلين في 2025، بما يعكس اندفاع الاحتلال نحو تمتين اصطفافه مع أمريكا في الولاية الثانية لترامب، في ظل عزلة دولية متزايدة لتل أبيب.

تزامنت الزيارة مع تحديات إقليمية متفاقمة، أبرزها هشاشة وقف إطلاق النار في غزة الذي رعته أمريكا منذ أكتوبر 2025، وتصاعد التهديدات الصاروخية الإيرانية، واستمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان وسوريا. رسميًا، سعى نتنياهو إلى تثبيت تفاهمات مع ترامب للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة غزة، التي تتضمن نزع سلاح المقاومة، ونشر قوة دولية، وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا. غير أن مصادر إسرائيلية أشارت إلى هدف أعمق، يتمثل في الحصول على ضوء أخضر أمريكي لأي عمل عسكري محتمل ضد إيران.

أهداف داخلية

على الصعيد الداخلي، جاءت الزيارة في وقت يواجه فيه نتنياهو اتهامات بالفساد داخل كيان الاحتلال، ما جعل من العلاقة الشخصية مع ترامب أداة سياسية للهروب إلى الأمام. وقد استغل نتنياهو الدعم العلني من الرئيس الأمريكي، الذي لمّح خلال اللقاء إلى إمكانية منحه عفوًا رئاسيًا، في محاولة لإعادة تسويق نفسه داخليًا باعتباره رجل أمريكا الأول في تل أبيب.

امتداد الزيارة لأكثر من أسبوع، مع عقد جلستين في مارالاجو، وغياب الصحفيين الإسرائيليين المرافقين، عكس رغبة نتنياهو في إجراء مفاوضات معمّقة بعيدًا عن الأضواء. كما تزامن التوقيت مع مراجعة ترامب لحصيلة عامه الأول في الرئاسة، وحاجة الاحتلال لتأمين التزامات عسكرية أمريكية طويلة الأمد تشمل طائرات مقاتلة ووسائط تزويد جوي، بما يعزز تفوقه العسكري في العقد المقبل.

تفاصيل اللقاء

استمر اللقاء بين ترامب ونتنياهو في مارالاجو عدة ساعات، وتخللته جلسات مغلقة وأخرى علنية. تبادل الطرفان عبارات الإشادة، حيث أثنى ترامب على “قيادة” نتنياهو، فيما أعلن الأخير منح ترامب “جائزة إسرائيل”، في سابقة هي الأولى منذ نحو ثمانية عقود تُمنح فيها الجائزة لغير إسرائيلي، في خطوة تعكس ارتهان القرار الإسرائيلي للبيت الأبيض.

ترامب ونتنياهو في مارالاجو
عقد ترامب مؤتمرا صحفيا مع نتنياهو اجتماعهما في منتجع مارالاجو المملوك للرئيس الأمريكي


 

خلال المؤتمر الصحفي المشترك، أطلق ترامب تهديدات مباشرة لإيران، محذرًا من إعادة بناء برنامجها النووي، ومؤكدًا استعداد أمريكا لاستخدام القوة إذا لزم الأمر، مع تفضيله مسار التفاوض. كما شدد على ضرورة نزع سلاح المقاومة الفلسطينية للمضي في خطة غزة، ملوّحًا بـ“عواقب وخيمة” في حال الرفض. ورغم هذه اللغة التصعيدية، لم يُسفر اللقاء عن اتفاق عملي لتثبيت وقف إطلاق النار، في ظل رفض نتنياهو أي التزامات تحد من حرية العدوان الإسرائيلي.

لقاءات الإدارة

إلى جانب قمة مارالاجو، أجرى نتنياهو اتصالًا وُصف بـ“الودي” مع نائب الرئيس جي. دي. فانس في 29 ديسمبر 2025، تناول ملفات غزة وإيران واستقرار الشرق الأوسط. عكست هذه المحادثة الدور المتنامي لفانس في السياسة الخارجية، خاصة في إطار مقاربة “أمريكا أولًا” التي تتبناها إدارة ترامب.

كما كان من المتوقع عقد لقاء مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وإن لم تُعلن تفاصيله رسميًا. وتشير تسريبات إلى تزايد الضيق داخل الدائرة المقربة من ترامب، بما فيها فانس وروبيو وجاريد كوشنر، من أسلوب نتنياهو القائم على المماطلة وتعطيل التفاهمات، خاصة ما يتعلق بغزة.

قضايا محورية

تصدرت المباحثات عدة ملفات إقليمية حاسمة. في غزة، ضغطت أمريكا للانتقال السريع إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، بما يشمل حكومة فلسطينية تكنوقراطية وقوة دولية، بينما أصر نتنياهو على استمرار الوجود العسكري حتى “القضاء الكامل” على المقاومة. في الملف الإيراني، تلاقى الطرفان على رفض البرنامج النووي، مع تباين في الوسائل بين التفاوض الأمريكي والنزعة الإسرائيلية نحو الضربات الاستباقية.

كما شملت النقاشات لبنان وسوريا، حيث أبدت واشنطن قلقًا من توسع دائرة التصعيد، إلى جانب سياسات الاستيطان في الضفة الغربية، التي اعتبرتها الإدارة الأمريكية عقبة أمام أي تسوية إقليمية، في وقت يرزح فيه نتنياهو تحت ضغط شركائه من اليمين المتطرف.

خلافات حقيقية

رغم مظاهر الوحدة، كشفت الزيارة عن فجوات عميقة بين واشنطن وتل أبيب. فبينما تدفع أمريكا نحو ترتيبات إقليمية جماعية وتقليص انخراطها المباشر، يندفع الاحتلال نحو سياسات أحادية تزيد من عزلته. الخلاف حول غزة يُعد الأبرز، حيث ترى واشنطن أن المماطلة الإسرائيلية تهدد مصالحها، فيما يضع نتنياهو حساباته السياسية فوق أي التزام.

في إيران، تختلف التقديرات حول حجم التهديد، إذ تميل مراكز بحث أمريكية إلى التقليل من قدرات طهران مقارنة بالتصورات الإسرائيلية المتضخمة. أما في الضفة الغربية، فتتسع الهوة بين قلق أمريكي معلن وضغوط داخلية إسرائيلية نحو الضم والتوسع.

نتنياهو وترامب: توافق شخصي واختلاف هيكلي

يقدم الخبراء رؤى دقيقة حول تداعيات الزيارة. ويجادل أندرو ميلر في مجلة "فورين أفيرز" بأن "استثناء إسرائيل" في السياسة الأمريكية آخذ في الانتهاء، وأن واشنطن تواجه تحديات في تشكيل سلوك إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023.

فيما يشير مركز سوفان إلى أن الخلافات بين ترامب ونتنياهو قد تلقي بظلالها على توقعات عام 2026، لا سيما فيما يتعلق بالتهديدات الإيرانية، حيث تقلل التقييمات الأمريكية من شأن الأضرار المحتملة التي قد تسببها طهران مقارنة بالآراء الإسرائيلية.

بدوره، يؤكد مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق، على أن التحدي الإيراني هو أكبر عقبة أمام نتنياهو، ويدعو إلى اتفاقيات أمريكية متينة بشأن القضايا النووية.

كما يسلط معهد واشنطن الضوء على الحاجة إلى قيادة في تل أبيب وواشنطن لإصلاح العلاقات بعد عامين من أحداث 7 أكتوبر، مع ضرورة وجود رؤية موثوقة لغزة. ويحذر أوري جولدبرج في قناة الجزيرة من تراجع النفوذ الجيوسياسي لإسرائيل، مشيراً إلى أن استراتيجيات نتنياهو تؤدي إلى خلل وظيفي.

وتدعو مؤسسة كارنيجي إلى الأمن الإقليمي الجماعي لإنهاء "حروب الاستنزاف"، منتقدة استثناءات الولايات المتحدة من الضغط على إسرائيل بشأن قرار الأمم المتحدة رقم 242.

بينما يشير محللو نادي فالداي إلى أن عزلة إسرائيل تدفعها إلى اتخاذ إجراءات يائسة، مما يعقد التحالفات الأمريكية.

تؤكد هذه الآراء على وجود إجماع على أنه في حين أن العلاقات الشخصية تعزز التوافق على المدى القصير، فإن الاختلافات الهيكلية تشكل خطراً على المدى الطويل.

دلالات استراتيجية

تؤكد زيارة نتنياهو أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي لا يزال قائمًا على أساس المصالح الأمنية والحروب بالوكالة، لكنه يعاني تصدعات بنيوية. فبينما يوفر ترامب غطاءً سياسيًا وعدوانيًا لتل أبيب، تتعمق الخلافات حول إدارة الصراع لا جوهره.

ومع دخول عام 2026، يبقى مستقبل غزة والإقليم مرهونًا بقدرة أمريكا على فرض إيقاعها، أو استمرار الاحتلال في فرض وقائعه بالقوة، في مشهد يهدد بتوسيع رقعة عدم الاستقرار، ويكشف مرة أخرى أن واشنطن شريك مباشر في تعطيل أي مسار حقيقي للسلام.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال