تشهد خربة يانون جنوب نابلس مرحلة خطيرة من التهجير القسري، ضمن مخطط ممنهج يستهدف التجمعات الفلسطينية في المناطق المصنفة “ج”، مع مؤشرات على امتداد هذا المخطط مؤخرًا إلى مناطق “ب” التي كانت تتمتع بحماية نسبية. تختلف خربة يانون عن التجمعات الفلسطينية الأخرى المؤقتة أو الخيام، فهي تجمع سكاني قائم منذ سنوات، يضم منازل صلبة وبنية تحتية ثابتة، ما يجعلها حالة فريدة من نوعها في الضفة الغربية، حيث يُعد إخلاؤها الكامل لأول مرة على هذا النحو.
هذا التهجير ليس مجرد تحريك مؤقت للسكان، بل يمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة الاحتلال الرامية إلى تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها الأصليين لصالح الاستيطان.
خربة يانون: آخر العائلات تهجر أرضها تحت تهديد المستوطنين
أُجبرت آخر خمس عائلات في خربة يانون الفوقا على الرحيل، بعد مواجهتها لاعتداءات متكررة من المستوطنين وغياب كامل لأي حماية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي اكتفى بالمراقبة غير الفاعلة، تاركًا الأرض في قبضة المستوطنين الذين فرضوا سيطرتهم بالقوة على المنازل والأراضي المحيطة. وكان من بين المهجّرين راشد مرار الذي اضطر إلى الانتقال مؤقتًا إلى يانون التحتا التابعة لبلدة عقربا، محاولاً البقاء بالقرب من أرضه وبيته، في حين يعاني من فقدان مقومات الحياة الأساسية في خربة يانون.
يُذكر أن الاعتداءات على السكان تصاعدت بشكل حاد منذ سنوات طويلة، خاصة بعد إنشاء مستوطنة إيتمار القريبة، الأمر الذي أدى إلى تراجع عدد سكان خربة يانون من نحو 300 نسمة عام 2000، إلى تهجير كامل بنهاية عام 2025، ما يشكل خرقًا واضحًا للحقوق الإنسانية والقانون الدولي المتعلق بالسكان الأصليين.

السيطرة الاستيطانية على الأرض والمياه
لم يقتصر التهجير على المنازل فقط، بل شمل السيطرة على الموارد الأساسية للأهالي، حيث أغلق المستوطنون الطريق المؤدية إلى خربة يانون ببوابة حديدية، وسيطروا على سهل يانون الزراعي وعيون المياه، ومنعوا الأهالي من الوصول إلى أراضيهم أو إدخال الأعلاف، مع عزل نحو 14 ألف دونم من الأراضي الزراعية. هذا التصرف يعكس استراتيجية الاحتلال لفرض واقع استيطاني جديد على الأرض، ويؤدي إلى تفريغ شامل للأراضي الفلسطينية تحت ذرائع أمنية وزراعية.
يانون التحتا تحت تهديد التكرار
تواجه يانون التحتا، المصنفة “ب” وتضم عشرات العائلات ومنازل حديثة، ضغوطًا وتهديدات مماثلة لتلك التي شهدتها يانون الفوقا، وسط مخاوف جدية من تكرار سيناريو الإخلاء الكامل. ويؤكد ناشطون أن ما يجري في يانون الفوقا يمثل تمهيدًا عمليًا لضم أراضي الخربة إلى مستوطنة إيتمار، في ظل غياب أي حماية قانونية أو ميدانية للسكان الفلسطينيين، ما يزيد من تعقيد الوضع ويؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
تأثير التهجير على النسيج الاجتماعي والزراعي
يمثل تهجير أهالي خربة يانون تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة، إذ أن العائلات المهجرة تفقد ممتلكاتها الزراعية والمنازل التي قضت فيها أجيال، بينما تتعرض الأراضي للسيطرة الاستيطانية والتجريف. ويؤدي هذا التهجير إلى تدمير البنية التحتية الزراعية وحرمان السكان من مصادر رزقهم، ما يفاقم من أزمة الفقر والبطالة ويقوض فرص الاستقرار الاجتماعي.
كما أن إزالة السكان من مناطقهم يُفقد المجتمعات المحلية القدرة على ممارسة حياتها اليومية بشكل طبيعي، ويحد من الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك المدارس والمراكز الصحية، ما يجعل الوضع الإنساني في الخربة على حافة الانهيار.
غياب الحماية القانونية والميدانية
يبقى السؤال الأهم حول غياب أي حماية قانونية أو ميدانية للسكان الفلسطينيين في خربة يانون، وسط استمرار عمليات التهجير والاعتداء على المنازل والأراضي. ويشير ناشطون إلى أن الاحتلال يعتمد على سياسة فرض الأمر الواقع عبر المستوطنين، مستغلاً غياب رادع دولي أو محلي، وهو ما يضع السكان في مواجهة مباشرة مع قوة مسلحة منظمة دون أي حماية.
ويؤكد خبراء أن استمرار هذه السياسات يهدد حق العودة للفلسطينيين إلى أراضيهم ومنازلهم، ويمثل نموذجًا حقيقيًا لما يُسمى "التهجير القسري الكامل" في مناطق الضفة الغربية، ما يستدعي تدخل المجتمع الدولي قبل أن تتحول خربة يانون إلى منطقة مهجورة بالكامل لصالح التوسع الاستيطاني.










