حادثة البصرة في رأس السنة تكشف تراجع معايير الشرف والمسؤولية في العراق
لم تكن حادثة التحرش التي شهدتها ليلة رأس السنة 2026 حادثة عابرة يمكن طيّها ببيان اعتذار أو تعليق غاضب على وسائل التواصل الاجتماعي. فما جرى، وما تلاه من تبرير واسع، كشفا عن أزمة مركّبة تتجاوز الفعل الجنائي ذاته، لتصل إلى عمق المنظومة الأخلاقية والاجتماعية، حيث يُعاد تعريف الشرف، وتُقلب الأدوار، ويُمنح الجاني مساحة للنجاة، بينما تُحاصر الضحية بالاتهام.
“التحرش ليس لحظة انفلات، بل نتيجة ثقافة تسمح به، وتغفره، وتبرره.”
من الإدانة إلى التطبيع: كيف انقلب النقاش؟
في أي مجتمع سليم، يُفترض أن يكون النقاش بعد حادثة تحرش منصبًّا على: (حماية الضحية، محاسبة الجناة، ضمان عدم التكرار).
لكن في حادثة البصرة، انحرف النقاش سريعًا نحو أسئلة من نوع: (ليش طلعت؟ليش بهيج وقت؟ ليش شنو لابسة ؟)
هذه الأسئلة لا تبحث عن الحقيقة، بل تؤدي وظيفة واحدة وهو تحميل الضحية مسؤولية العنف الذي تعرّضت له.
وهنا يتحول التحرش من جريمة واضحة إلى “وجهة نظر”، ومن اعتداء إلى “سوء تقدير” من المرأة نفسها، في سابقة خطيرة تعكس تطبيع العنف الجنسي داخل الخطاب العام.
الشرف كأداة قمع… لا كقيمة أخلاقية
الشرف، كمفهوم، يفترض أن يكون مرتبطًا بالصدق، الأمانة، احترام الآخر، وضبط السلوك.
لكن في الخطاب الشعبي السائد، يُختزل الشرف في جسد المرأة وحركتها ووجودها في الفضاء العام.فلم يُسأل أحد عن شرف المتحرش، بل سُئلت المرأة عن سبب وجودها.
هذا الخلل البنيوي جعل من الشرف سلاحًا يُستخدم ضد النساء فقط، بينما يُمنح الرجل، حتى في حال ارتكابه جريمة موثقة، مساحة للتبرير، أو الصمت، أو النسيان السريع.
خطاب ديني واجتماعي مرتبك
اللافت في هذه الحادثة كان غياب الموقف الأخلاقي الواضح من جهات يُفترض بها التأثير في الرأي العام. بدل إدانة التحرش كفعل محرّم ومجرّم، جرى التركيز على طبيعة الاحتفال ووجود النساء في الأماكن العامة “الاختلاط” ، فحين يُلام وجود المرأة بدل إدانة المعتدي، يصبح الخطاب جزءًا من المشكلة لا الحل.
هذا النوع من الخطاب لا يحمي القيم، بل يخلق بيئة مريحة للجناة، ويبعث برسالة مفادها أن العنف قابل للتبرير إذا تم تغليفه أخلاقيًا.
القانون بين النص والتطبيق
من الناحية القانونية، التحرش يُعد جريمة يعاقب عليها القانون العراقي لكن الفجوة الكبيرة تكمن في:
• ضعف تطبيق القانون
• غياب آليات الإبلاغ الآمنة
• الخوف الاجتماعي من الفضيحة والتشهير
كثير من النساء لا يلجأن إلى القضاء ليس لأن الجريمة “بسيطة”، بل لأن كلفة الشكوى أعلى من كلفة الصمت. ففي مجتمع يلوم الضحية، يصبح الصمت آلية بقاء.
ويرى حقوقيون أن ما تتعرض له الضحية بعد الحادثة يُعد شكلًا آخر من العنف، يُعرف بـ”العنف الثانوي”، وهو غالبًا أكثر قسوة من الفعل الأصلي.
“العنف لا ينتهي عند لحظة التحرش، بل يستمر عبر التعليقات، التشكيك، السخرية، وتحميل الضحية الذنب. هذا النوع من العنف يدمر الثقة بالقانون ويقوّض فكرة العدالة.”
ويشير مختص قانوني إلى أن هذا الواقع يفسر عزوف كثير من الضحايا عن اللجوء إلى القضاء، مضيفًا: “في ظل غياب الحماية الاجتماعية، يصبح الصمت خيارًا عقلانيًا، حتى لو كان مؤلمًا.”
وسائل التواصل الاجتماعي: فضح أم إعادة إيذاء؟
لعبت منصات التواصل دورًا مزدوجًا حين كشفت الحادثة وفرضت نقاشًا عامًا ،لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى ساحة للتنمر، والتشكيك، وتبرير التحرش ،هذا الانقسام الحاد أظهر حقيقة مؤلمة : جزء من المجتمع ما زال يرى التحرش نتيجة طبيعية لوجود النساء في المجال العام، لا انتهاكًا لحقوقهن.
في خضم الجدل الدائر، برز صوت أم الضحية، التي طالبت علنًا بحذف المقطع المتداول، ليس بهدف طمس الجريمة أو حماية الجناة، بل في محاولة واضحة لـ دفع الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق بابنتها جراء إعادة النشر والتداول الواسع.
وبحسب مقربين من العائلة، فإن استمرار تداول المقطع وما رافقه من تعليقات مسيئة وتشكيك علني، تسبب في انهيار نفسي حاد للضحية، وصل إلى محاولة انتحار، في مؤشر خطير على حجم الأذى الذي خلّفته الجريمة وما تبعها من عنف رقمي.
وترى الأسرة أن المقطع أدى دوره كدليل، وأن بقائه متداولًا خارج إطار الجهات المختصة حوّل الجريمة إلى معاناة يومية متجددة، حيث تُجبر الضحية على مواجهة الحدث مرارًا، لا في الذاكرة فقط، بل على الشاشات وفي الفضاء العام.
ويؤكد حقوقيون أن هذا المطلب ينسجم مع مبدأ “دفع الضرر” المعتمد قانونيًا وأخلاقيًا، مشددين على أن حماية حياة الضحية وصحتها النفسية يجب أن تتقدم على أي اعتبارات أخرى، وأن العدالة لا تتحقق بإعادة تعريضها للأذى، بل بضمان محاسبة الجناة ضمن الأطر القانونية، دون تحويل معاناتها إلى مادة للتداول أو الجدل العام.
ما بعد البصرة: أسئلة لا يمكن الهروب منها
حادثة رأس السنة في البصرة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة ما لم تُكسر حلقة التبرير. والسؤال الحقيقي لم يعد: “ماذا كانت ترتدي؟”
بل لماذا يشعر المتحرش بالأمان؟ لماذا يخاف الضحايا من الكلام؟ ولماذا ما زال الشرف يُستخدم لتقييد النساء بدل محاسبة المعتدين؟
إن ما جرى في البصرة أعاد إلى الواجهة مطالب لم تعد مؤجلة ، اهمها تطبيق صارم وواضح للقوانين المتعلقة بالتحرش دون تسويات اجتماعية وحملات توعية وطنية تعرّف التحرش كجريمة لا “سوء سلوك” كما يجب ان يكون موقف ديني وإعلامي صريح يجرّم التحرش بلا شروط ليس فقط الاعتراض على الاحتفالات العامة كما حدث مسبقاً في محاولة تنظيم حفل عام .
يجب التذكير ان السكوت عن التحرش ليس حيادًا،وتبريره ليس رأيًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.








