تكشف التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة في قطاع غزة عن تحول خطير في حسابات الاحتلال الإسرائيلي، يتمثل في احتمال فتح معبر رفح حتى في حال عدم العثور على جثمان الجندي الإسرائيلي رن جويلي. هذا الاحتمال، الذي بات مطروحًا بجدية داخل المنظومة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، يعكس حجم الضغوط الأمريكية والإقليمية لدفع الاتفاق الموقع مع المقاومة الفلسطينية إلى مرحلته الثانية، ولو على حساب السردية الإسرائيلية المعلنة سابقًا.
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن قرار فتح معبر رفح لم يعد مرتبطًا حصريًا باستعادة الجثمان، بل بات مشروطًا بإعلان سياسي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. وفي هذه الحالة، لا تستبعد تل أبيب أن يتم فتح المعبر حتى دون تحقيق هذا الشرط، في خطوة تكشف تآكل قدرة حكومة بنيامين نتنياهو على فرض شروطها، رغم خطابها المتشدد في العلن.
اشتباك ميداني محدود
ميدانيًا، زعم جيش الاحتلال أن مقاومين فلسطينيين أطلقوا النار على قواته في شمال قطاع غزة، في منطقة كانت تشهد عمليات بحث عن الجندي القتيل. ووفق الرواية الإسرائيلية، لم تقع إصابات في صفوف القوات، فيما ردّ الاحتلال وجهاز الشاباك بقصف استهدف ما وصفاه بـ«عنصر قيادي بارز» في المقاومة الفلسطينية، دون الكشف عن هويته أو نتائج الهجوم.
الاشتباك وقع في محيط حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وهي المنطقة التي أعلنت إسرائيل في وقت سابق انتهاء يوم كامل من عمليات البحث فيها دون نتائج. ويعكس هذا المشهد حالة الارتباك الميداني لدى قوات الاحتلال، التي تحاول فرض معادلة ردع محدودة في ظل التزام هش بوقف إطلاق النار.
توتر الخط الأصفر
في موازاة ذلك، كثّفت قوات الاحتلال المنتشرة على طول ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» تدريباتها خلال الأسبوعين الماضيين، تحسبًا لسيناريوهات اقتحام مفاجئة تنفذها مجموعات من المقاومة الفلسطينية. وجرى تشديد التعليمات الميدانية ورفع مستوى الجاهزية، مع بحث إمكانية تعزيز القوات في بعض النقاط الحساسة.
وتقدّر قيادة فرقة غزة في جيش الاحتلال أن اقتراب المدنيين الفلسطينيين المتكرر من مواقع القوات الإسرائيلية يهدف، من وجهة نظرها، إلى اختبار سرعة رد الفعل وقدرات الرصد. إلا أن هذا التفسير يتجاهل واقع أن هذه المناطق شديدة الاكتظاظ، ولا يفصل بين منازل الفلسطينيين وخطوط التماس سوى كيلومترات قليلة، حيث تنتشر قوات الاحتلال داخل مناطق عازلة فرضت بالقوة.
رفح ورقة ضغط
جاء الإعلان الإسرائيلي عن إطلاق النار في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع انتظار المنظومة الأمنية الإسرائيلية قرار المستوى السياسي بشأن فتح معبر رفح، بموجب الاتفاق الموقع مع المقاومة الفلسطينية في أكتوبر الماضي بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم وصف الاحتلال للحادثة بأنها «خرق جسيم لوقف إطلاق النار»، فإن الاستعدادات اللوجستية لفتح المعبر لا تزال مستمرة.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى وجود تفاهم سابق بين نتنياهو وترامب، جرى خلال لقائهما في منتجع مارالاجو، يقضي بعدم فتح المعبر قبل العثور على جويلي. إلا أن هذا التفاهم، وفق مصادر إسرائيلية، لم يعد صلبًا كما كان، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة لتسريع تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
بحث عن الجندي الأخير
في هذا السياق، كثّفت فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، عمليات البحث عن الجندي القتيل في مناطق جديدة، بينها نقاط زوّد الاحتلال الفصائل بإحداثياتها. وتقرّ إسرائيل بوجود «جهد حقيقي» من جانب المقاومة، مدفوعًا بضغط قطري ومصري، لإنهاء هذا الملف.
وتقدّر تل أبيب أنه في حال تسليم الجثمان، فإن فتح معبر رفح سيتم بسرعة. غير أن اللافت هو الإقرار الإسرائيلي بأن إعلان ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية قد يفرض فتح المعبر حتى دون ذلك، ما يعكس أولوية الحسابات السياسية الأمريكية على الاعتبارات الإسرائيلية الداخلية.
ضغط أمريكي متصاعد
بحسب التقديرات الإسرائيلية، منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نتنياهو هامش وقت إضافي، لكنه ليس مفتوحًا. فبمجرد إعلان واشنطن بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، قد تجد تل أبيب نفسها مضطرة لفتح معبر رفح، حتى إن لم تنجح عمليات البحث في استعادة الجثمان.
لم يعد معبر رفح مجرد ممر إنساني، بل تحوّل إلى أداة جيوسياسية في صراع الإرادات بين الاحتلال والمقاومة، وبين تل أبيب وواشنطن. واحتمال فتحه دون استعادة الجثمان يكشف أن إسرائيل، رغم خطابها المتشدد، قد تُجبر على تقديم تنازل سياسي جوهري، تحت ضغط أمريكي مباشر، في لحظة تعكس تراجع قدرتها على فرض شروطها في مرحلة ما بعد العدوان على غزة.










