منذ إعلان وقف إطلاق النّار، لم يَعرف لبنان معنى الهدوء الحقيقيّ، فالجيشُ الإسرائيليّ ما زال، حتّى هذه اللّحظة، يُمارس سياسة الاغتيال المُنتظم بحقّ من يختارهم من عناصر حزب الله، ويُحلّق بطائراته المُسيَّرة فوق الأراضي اللّبنانيّة بلا انقطاع، مُرسِلًا رسائل تهديد يوميّة، وكأنّ السّماء والأرض قد أُخرِجتا من السّيادة، ووُضِعتا في خانة الإباحة المفتوحة.
غير أنّ الخطر الأكبر لا يكمن في هذا العدوان وحده، بل في الفراغ السّياسيّ المُريع الذي يُقابله، حكومةٌ غائبة عن السّمع، وقياداتٌ تتوارى خلف بياناتٍ باردة أو صمتٍ مُريب، حتّى بات هذا الصّمتُ سياسةً بحدّ ذاته، لا حيادًا ولا حكمة. صمتٌ يُترجِم عجزًا، والعجزُ يُترجِم قبولًا، والقبولُ يُحوِّل الاستباحة إلى أمرٍ اعتياديّ.
وفي ذروة هذا المشهد، يطلّ الخطابُ الإسرائيليّ والغربيّ، مدعومًا ببعض الدُّول، ليُعيد الأسطوانة ذاتها:
المطالبة بسحب سلاح حزب الله بذريعة أنّه «سلاحٌ غيرُ شرعيّ».
وهنا، لا يعود السّؤالُ نظريًّا ولا أكاديميًّا، بل اتهاميًّا مباشرًا:
مَن الذي شرعن سلاح إسرائيل؟
مَن منح الغطاء الأخلاقيّ والقانونيّ لسلاح دولةٍ قامت على احتلال فلسطين، وتُمارس القتل والتهجير والاغتيال كعقيدةٍ ثابتة؟
أيُّ قانونٍ دوليٍّ هذا الذي يُبيح سلاح الاحتلال ويُجرِّم سلاح من وُلد دفاعًا عن أرضه ووجوده؟ إنّها ليست مسألة شرعيّة، بل ازدواجيّة معايير فاضحة.
منظومةٌ دوليّة تُكافئ المعتدي لأنّه قويّ، وتُحاكم الضحيّة لأنّها تجرّأت على الدّفاع عن نفسها. تُسمّي القوّة «حقًّا» عندما تكون إسرائيليّة، و«فوضى» عندما تكون مقاومة. وفي هذا الخلل البنيويّ، يُعاد تعريف القانون على مقاس الغالب، لا على أساس العدالة.
الأخطر من كلّ ذلك، أنّ الصّمت الدّاخليّ على هذا الخطاب لا يبقى مجرّد تقاعس، بل يتحوّل إلى شراكةٍ غير مباشرة في الاستباحة. فالفراغ في القرار الوطني لا يبقى فراغًا طويلًا؛ سرعان ما يملؤه الأقوى، ويفرض منطقه، ويُعيد رسم حدود الدّم والمسموح والممنوع.
إنّ ما يجري اليوم ليس تفصيلًا أمنيًّا، ولا خلافًا تقنيًّا حول سلاحٍ هنا أو هناك، بل اختبار وجوديّ لفكرة الدّولة نفسها:
إمّا دولةٌ تحضر عندما تُستباح، وتتكلم عندما يُهدَّد كيانها،
وإمّا سلطةٌ تُدوَّن في سجلّ التّاريخ كشاهدة زور على انهيار السّيادة.
والتّاريخ لا يُجامل،
وذاكرةُ الشّعوب… لا ترحم.










