21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عام 2026 كاختبار وجودي: إسرائيل بين انفجار الجبهات وانهيار البنية الداخلية

لا يبدو عام 2026 عامًا عاديًا في الحسابات الإسرائيلية، بل عامًا كاشفًا لأزمة وجودية شاملة، تتقاطع فيها الجبهات العسكرية مع الانقسامات الداخلية، وتُظهر أن إسرائيل تواجه أخطر اختبار منذ عقود.

بقلم: عمرو المصري
١٠ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
11 مشاهدة
أزمة إسرائيل

أزمة إسرائيل

توقعت صحيفة إسرائيل اليوم العبرية أن يكون عام 2026 عام اختبار لـ"إسرائيل" على الأقل بنفس الحدة  التى شهدها العام السابق. وتحدثت الصحيفة، في تقرير لها، عن عشر قضايا عالقة (وخمس أخرى) تتطلب إجابات وحلولاً مع بداية عام جديد، والذي، على الرغم من الآمال، لا يُتوقع أن يكون مملاً - من التحديات الأمنية إلى الجبهات الداخلية.

غزة: أوهام السيطرة

تُقرّ النخبة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وفقا لصحيفة "إسرائيل اليوم"، بأن قطاع غزة تحوّل إلى معضلة استراتيجية مزمنة، لا تملك تل أبيب حيالها رؤية متماسكة. فالاحتلال، بحسب هذا الطرح، لا يريد السيطرة المباشرة على القطاع ولا تحمّل أعباء سكانه، لكنه في الوقت ذاته عاجز عن صياغة بديل عملي يُنهي وجود المقاومة أو يضمن “الأمن” الذي يتحدث عنه الخطاب الرسمي. هذا التناقض يعكس فشلًا بنيويًا في إدارة أحد أخطر ملفات الصراع منذ أكتوبر 2023.

وتكشف الصحيفة أن الشروط الإسرائيلية الثلاثة المعلنة—نزع سلاح غزة، إقصاء حماس، واستعادة “مفهوم الأمن” التقليدي—لم يتحقق منها شيء فعليًا. فالمقاومة ما زالت قائمة، والبنية العسكرية لم تُكسر، والحسم الذي وُعِد به الجمهور الإسرائيلي لم يحدث. الأخطر أن إسرائيل سلّمت إدارة المشهد للولايات المتحدة، ما يُرسّخ سابقة خطيرة تُقيد قرارها السيادي وتضعها في موقع التابع، لا المُقرّر، في أكثر ساحاتها حساسية.

لبنان: استحالة الحسم

في الجبهة الشمالية، تنتهي مهلة التهديد الإسرائيلي للبنان دون نتائج حاسمة، وسط اعتراف ضمني بأن إخراج حزب الله من جنوب لبنان بالقوة أمر غير واقعي. فإسرائيل، كما يقر التحليل العبري، لا تنوي احتلال لبنان ولا تملك القدرة على تفكيك الحزب جذريًا، بل أقصى ما تستطيع فعله هو شن حملة عسكرية محدودة تستهدف البنية التحتية، دون ضمان نتائج استراتيجية طويلة الأمد.

وتحاول تل أبيب تسويق هذه المقاربة على أنها “خدمة” للبنان، بزعم إضعاف حزب الله ومنح الدولة اللبنانية فرصة لاستعادة سيادتها. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة هي أحد أهم أسباب هشاشة الدولة اللبنانية. كما يكشف الرهان على “المعسكر المعتدل” برعاية أمريكية عن وهم سياسي جديد، يُعيد إنتاج الفشل ذاته الذي رافق مشاريع الهيمنة السابقة.

سوريا: غموض الشرع

تُقدّم “إسرائيل اليوم” أحمد الشرع بوصفه لغزًا استراتيجيًا، يجمع بين ماضٍ دموي وخطاب سياسي ناعم، ما يعكس حالة ارتباك إسرائيلية حقيقية في فهم طبيعة السلطة الجديدة في دمشق. هذا الارتباك يدفع تل أبيب إلى اعتماد سياسة الأمر الواقع، عبر تثبيت احتلالها لمناطق في الجولان وجبل الشيخ، بذريعة منع أي تهديد مستقبلي.

لكن الضغوط الأمريكية للانسحاب، مقابل وعود باتفاقات أمنية أو إدماج سوريا في مسار “إبراهام”، تضع إسرائيل أمام معضلة جديدة: كيف توازن بين طموحها التوسعي وخشيتها من تحوّل سوريا إلى لاعب إقليمي مستقر؟ لذلك، يبدو الهدف الإسرائيلي الحقيقي هو إبقاء سوريا ضعيفة، منشغلة بإعادة الإعمار، ومجردة من أي قدرة عسكرية ذات معنى.

تركيا: الخصم المؤجل

ترى الصحيفة في تركيا تهديدًا استراتيجيًا مؤجلًا، تقوده طموحات أردوغان الإقليمية. فأنقرة، وفق القراءة الإسرائيلية، تتوسع عسكريًا في سوريا، وتدعم مسارات تصعيد في غزة، وتسعى لبناء نفوذ مباشر يقترب من حدود فلسطين المحتلة. ومع ذلك، تُقر تل أبيب بعدم قدرتها أو رغبتها في خوض مواجهة مباشرة معها.

لهذا، تعتمد إسرائيل سياسة الاحتواء الناعم: منع الاحتكاك المباشر، تعطيل وصول تركيا إلى أسلحة نوعية كطائرات إف-35، والحفاظ على قنوات اتصال سرية، خاصة اقتصادية. هذه المقاربة تكشف إدراكًا إسرائيليًا بأن المواجهة مع قوة إقليمية صاعدة قد تكون مكلفة أكثر مما يحتمله ميزانها العسكري والسياسي.

إيران: سيناريوهات الانفجار

تتعامل إسرائيل مع الداخل الإيراني بقلق بالغ، خاصة مع عودة الاحتجاجات وتآكل بعض ركائز النظام. لكنها، في الوقت ذاته، لا تُراهن على سقوط وشيك، بل تستعد لكل السيناريوهات، من القمع العنيف إلى التصعيد الخارجي. ويعكس تعداد “الخطوات الست” المطلوبة إسرائيليًا عقلية هجومية استباقية، ترى في الحرب خيارًا حاضرًا لا مستبعدًا.

ويُظهر هذا التحليل أن إسرائيل تُحضّر الرأي العام لاحتمال شن هجوم جديد على إيران، مع السعي لبناء غطاء دولي مسبق. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر هائلة، إذ قد يُشعل مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز قدرة تل أبيب على التحكم بمساراتها.

الضفة: الانفجار الصامت

رغم وصفها بالجبهة “الأقل تحديًا”، تكشف الصحيفة أن الضفة الغربية هي الأكثر قابلية للاشتعال. فالتداخل السكاني، وغياب الأفق الاقتصادي، وضعف السلطة الفلسطينية، وتصاعد عنف المستوطنين، كلها عوامل تُنتج حالة احتقان دائمة. ويعترف التحليل بأن إسرائيل، بدل تخفيف هذه العوامل، تُكرّس وقائع ميدانية تزيد المشهد تعقيدًا.

ويُظهر ملف العمال الفلسطينيين نموذجًا صارخًا للفشل الإسرائيلي، حيث تُغلّب الحسابات الأمنية الضيقة على المصالح الاقتصادية المتبادلة، ما يُفاقم الفوضى بدل احتوائها.

اليمن: تهديد مستمر

تُقرّ الصحيفة بأن التهديد اليمني لم ينتهِ، بل دخل مرحلة كمون خطيرة. فجماعة أنصار الله، وفق التقدير الإسرائيلي، يعيدون بناء قدراتهم استعدادًا لجولات قادمة، بينما لا تزال سيطرتهم على البحر الأحمر تضرب المصالح الإسرائيلية والإقليمية، من إيلات إلى قناة السويس.

ويعكس الحديث عن “جهد دولي معقد” إدراكًا بأن إسرائيل عاجزة عن معالجة هذا الملف منفردة، وأن الاعتراف بـ“صومال لاند” ليس سوى جزء من محاولة يائسة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ البحري.

المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تفكك داخلي

تدخل إسرائيل عام 2026 بمؤسسة أمنية مُنهكة، تعاني من أزمات قيادة، واستنزاف بشري، وتآكل ثقة بين المستويين السياسي والعسكري. فإعادة التأهيل التي كان يُفترض أن تلي الحرب لم تتحقق، بل ازدادت الأعباء مع تعدد الجبهات المفتوحة.

ويكشف الصراع بين الحكومة والمؤسسة الأمنية عن خلل خطير في منظومة اتخاذ القرار، حيث يُهمّش الخبراء لصالح حسابات سياسية ضيقة، ما يُهدد أسس “الأمن القومي” ذاته.

التجنيد: كسر العقد الاجتماعي

يتحوّل ملف التجنيد إلى قنبلة داخلية موقوتة، تمس جوهر “العقد الاجتماعي” الإسرائيلي. فالفجوة بين من يُقاتلون ومن يتهربون من الخدمة لم تعد أخلاقية فقط، بل اقتصادية وتعليمية، وتهدد بانهيار طويل الأمد، كما يحذر بنك إسرائيل.

وتُدرك الصحيفة أن هذا الملف لن يُحل عبر صناديق الاقتراع، بل عبر ضغط ميداني من داخل الجيش نفسه، ما يُنذر بصدام داخلي غير مسبوق.

لجنة التحقيق: أزمة ثقة

بحسب الصحيفة، تفقد لجان التحقيق السياسية مصداقيتها، ما يدفع للمطالبة بلجنة تحقيق حكومية، رغم الشكوك في قدرتها على إنصاف المتضررين بعد مرور أكثر من عامين على 7 أكتوبر. هذا يعكس أزمة ثقة عميقة بين الجمهور ومؤسسات الدولة.

قطرجيت: فضيحة الحكم

تُختتم الصورة بملف “قطرجيت”، الذي يُجسّد تآكل الشفافية داخل مكتب رئيس الوزراء. فالمطالبة بتحقيق غير مقيّد تكشف حجم الشكوك حول الفساد وتضارب المصالح في قمة هرم السلطة، وتُضيف بعدًا أخلاقيًا لانهيار المنظومة السياسية.

بهذا المعنى، لا يبدو عام 2026 عامًا عاديًا في الحسابات الإسرائيلية، بل عامًا كاشفًا لأزمة وجودية شاملة، تتقاطع فيها الجبهات العسكرية مع الانقسامات الداخلية، وتُظهر أن إسرائيل تواجه أخطر اختبار منذ عقود، دون ضمانة حقيقية للخروج منه بأقل الخسائر.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

عام 2026 كاختبار وجودي: إسرائيل بين انفجار الجبهات وانهيار البنية الداخلية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°