21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد مولود مولاي لحسن يكتب: يناير: فحلُ السنة وبداية دورة الخصب

محمد مولود مولاي لحسن يكتب: يناير: فحلُ السنة وبداية دورة الخصب

بقلم: محمد مولود مولاي لحسن
١١ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
17 مشاهدة
شهور السنة - أرشيفية

شهور السنة - أرشيفية

لا يُنظر إلى شهر يناير في الذاكرة الشعبية عند المجتمع الحساني بوصفه مجرد بداية للتقويم، بل باعتباره رأس السنة وفحلها معًا، فقد ارتبط هذا الشهر، عبر أجيال طويلة، بتساقط الأمطار الأولى ذات القيمة، تلك التي تُوقظ الأرض من سباتها وتُعلن انطلاق دورة الخصب، ولهذا سُمّي «فحول السنة»، تشبيهًا لقوة مطره وقدرته على الإخصاب، كما يُخصب الفحل الأرض بالحياة.


في البيئات الصحراوية وشبه الجافة، حيث لا تُعطى الأرض إلا بقدر، كان مطر يناير حدثًا مصيريًا. فبه تُقاس السنة من أولها؛ إن جاد مطره ساد التفاؤل واطمأنت النفوس، وقيل إن العام عام خير، وإن شحّ أو تأخر، انعكس القلق على الوجوه، لأن هذا الشهر يُعدّ الميزان الذي تُوزن به بقية الأشهر. فمطره ليس عابرًا ولا ثانويًا، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه الموسم الزراعي والرعوي معًا.

 


ومع نزول أمطار يناير، تبدأ الحراثة، عملٌ شاق ارتبط بالزمن أكثر مما ارتبط بالأداة، فالفلاح لا يحرث متى شاء، بل حين تأذن الأرض، وتستمر الحراثة خلال شهر فبراير، حيث تُستثمر رطوبة التربة وتُبذر البذور على أمل الاستجابة والنماء. وفي هذا السياق كثرت الأقوال التي تمجّد البدايات المبكرة، لأن التأخير مخاطرة لا تُحمد عواقبها.


غير أنّ لهذا الجهد سقفًا زمنيًا واضحًا، رسمته التجربة الشعبية بدقة، وهو شهر مارس، وقد اختزلت الحكمة الشعبية هذه الحقيقة في قولها الشهير:
«اللّي فاتو مارس ما عندو ما إيمارس»،أي من تجاوز مارس دون أن يحرث أو يزرع، فقد فاته الموسم ولا جدوى من المحاولة بعده.


فمارس يمثل الحدّ الفاصل بين الإمكان والفوات؛ قبله تكون الأرض قابلة للعطاء، وبعده يثقل التراب وتضعف الاستجابة، ويبدأ العدّ التنازلي للجفاف. لذلك كان يُنظر إلى من لم يستثمر زمن يناير وفبراير على أنه خالف نواميس الأرض، لا تقصيرًا في الجهد، بل سوء تقدير للوقت.


وهكذا لم يكن الزمن الزراعي زمنًا حسابيًا جامدًا، بل زمنًا حيًا، تُحدده السماء، وتترجمه الأرض، وتختزله الحكمة الشعبية في أمثال موجزة. فجعل الإنسان من يناير مفتاح السنة، ومن مارس قفلها، وبينهما تتحدد ملامح العيش والخصب والاستقرار، سواء في الحقول أو في المراعي.

 


إن هذا التراث اللفظي والزراعي ليس مجرد ذاكرة لغوية، بل شهادة حيّة على علاقة عميقة بين الإنسان والأرض؛ علاقة بُنيت على الملاحظة والصبر، وعلى الإصغاء لإيقاع الطبيعة، وصيغت في كلمات قليلة تحمل خبرة قرون، ما زالت صالحة للفهم والاعتبار إلى اليوم.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد مولود مولاي لحسن

كاتب صحراوي

التعليقات

1

أضف تعليقك

0/1000

جميع التعليقات (1)

محمد مولود مولاي لحسن

6 شهور

اشكركم على هذا الاهتمام بالثقافة الحسانية أو ثقافة البيظان وبشكل أوضح على هذا الفضاء المخصص لشمال غرب أفريقيا

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير