يرى الكاتب والمحلل الإسرائيلي عاموس هرئيل أن موجة الاحتجاجات الجارية في إيران تمثل أخطر تحدٍّ داخلي تواجهه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، لكنها، في الوقت نفسه، لا تزال محاطة بقدر كبير من الغموض يجعل من الصعب الجزم بمآلاتها. فالتاريخ، بحسب هرئيل، يثبت أن لا أجهزة استخبارات ولا أدوات تحليل قادرة على التنبؤ بلحظة التحول الحاسمة في حركات الاحتجاج الشعبي، خاصة حين تواجه أنظمة لا تتردد في استخدام العنف المفرط من أجل البقاء.
ويشير المقال، المنشور في «هآرتس»، إلى أن شجاعة المحتجين الإيرانيين لافتة، إلا أن الحديث عن «كسر حاجز الخوف» ما زال سابقًا لأوانه. فقياس قوة الاحتجاجات يعتمد على مؤشرات متعددة، مثل عدد المشاركين واتساع رقعتها الجغرافية وتنوع الشرائح الاجتماعية المشاركة، إضافة إلى مدى الاستعداد لاستهداف رموز السلطة. غير أن المؤشر الأصعب، والأكثر حسماً، يظل متعلقًا بقدرة النظام نفسه على الصمود: هل ينهار الشارع أولًا أم تتصدع القيادة وأجهزتها؟
عتمة المعلومات
يلفت هرئيل إلى أن قرار السلطات الإيرانية قطع الإنترنت بشكل شبه كامل يعكس حجم القلق داخل النظام، لكنه في الوقت نفسه يعقّد فهم ما يجري على الأرض. فهذا الإجراء يعرقل تنسيق الاحتجاجات، ويحدّ من تدفق توثيق موثوق للاشتباكات، ويفتح الباب أمام انتشار مقاطع مفبركة أو قديمة يُعاد تداولها بوصفها أحداثًا راهنة، ما يزيد من الضبابية في تقييم المشهد.
وحتى وقت قريب، كانت التقديرات تشير إلى أن حجم الاحتجاجات أقل من موجات سابقة، خصوصًا احتجاجات الحجاب عام 2022 و«الثورة الخضراء» عام 2009. إلا أن التطورات الأخيرة، وفق المقال، غيّرت الصورة، مع تداول تقارير غير مؤكدة عن مشاركة مئات الآلاف وسقوط مئات القتلى برصاص قوات الأمن في طهران ومدن أخرى، وهو ما يرفع منسوب التوتر داخليًا وخارجيًا.
عاملان حاسمان
يحدد الكاتب عاملين قد يحددان مصير الاحتجاجات. الأول هو موقف المجتمع الدولي، وعلى رأسه الإدارة الأمريكية. والثاني يتمثل في مستوى العنف الذي ستلجأ إليه قوات الأمن الإيرانية. ويستحضر هرئيل مقارنة مع عام 2009، حين تردد الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما في دعم المحتجين، واكتفى بمواقف حذرة دون خطوات عملية. في المقابل، يتصرف ترامب اليوم بطريقة مختلفة تمامًا، إذ أعلن دعمه الصريح للمتظاهرين، وهاجم النظام الإيراني علنًا، ولوّح بإمكانية تدخل أمريكي عنيف إذا ارتفع عدد القتلى، دون أن يحدد سقفًا رقميًا لذلك.
أما العامل الثاني، فيرتبط بسلوك الأجهزة الأمنية. ويقول "هرئيل" إنه في مصر عام 2011، شكّل امتناع قوات الأمن عن إطلاق النار على المتظاهرين في ميدان التحرير نقطة التحول التي أسقطت نظام حسني مبارك. بينما في إيران، خلال جولات احتجاج سابقة، لم تتردد السلطات في استخدام الرصاص والاعتقالات والتعذيب، وإن بشكل انتقائي. ويحذّر هرئيل من أن استمرار تصاعد الاحتجاجات قد يقود هذه المرة إلى «حمّام دم» واسع، يضع النظام أمام اختبار خطير: كم عدد عناصر الأمن الذين قد يرفضون المشاركة في القمع؟
شبح الضربة الأمريكية
ينقل المقال تقديرات إسرائيلية تشير إلى ارتفاع أعداد القتلى خلال الأيام الأخيرة، وإلى أن ترامب يدرس بجدية خيار توجيه ضربات عسكرية لمواقع مرتبطة بالنظام الإيراني بهدف تسريع حدوث انقلاب داخلي. وتؤكد «نيويورك تايمز»، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، أن القرار لم يُتخذ بعد، لكنه مطروح بقوة، مع إحاطات رئاسية متواصلة حول سيناريوهات الهجوم المحتملة.
وتستند هذه التقديرات إلى قناعة استخباراتية بأن قبضة النظام الإيراني بدأت تضعف منذ فترة. فعلى الرغم من قمع احتجاجات الحجاب بالقوة، اضطرت السلطات لاحقًا إلى تقديم تنازلات، أبرزها تخفيف تطبيق قواعد اللباس الصارمة على النساء، لا سيما في المدن الكبرى. إلى جانب ذلك، تعاني إيران من أزمة اقتصادية عميقة ومزمنة، وأزمات بنيوية في توفير المياه والكهرباء، فضلًا عن الضغوط المتصاعدة المرتبطة بالبرنامج النووي والمواجهة مع ترامب، والهجمات الإسرائيلية ثم الأمريكية التي استهدفت مواقع نووية وصاروخية خلال حرب يونيو الماضي.
مأزق إيران وخيارات واشنطن
حتى الآن، يرفض المرشد الأعلى علي الخامنئي تقديم تنازلات أو العودة إلى اتفاق نووي جديد مع الولايات المتحدة، رغم سعي واشنطن لفرض قيود بعيدة المدى على تخصيب اليورانيوم. ويرى هرئيل أن الضغط الداخلي قد يدفع الخامنئي إلى إعادة النظر في موقفه لتخفيف العبء الاقتصادي، لكن ذلك يفتح باب أسئلة أعقد: هل ستكتفي الولايات المتحدة بتسوية نووية في ظل فرصة محتملة لتغيير النظام؟ وهل يكفي تحسن اقتصادي جزئي لإقناع الشارع الإيراني بإنهاء الاحتجاجات؟
ترتيب الأولويات
يكشف المقال أن أوساط نتنياهو كانت حتى وقت قريب تروّج لاحتمال تنفيذ ضربات إسرائيلية إضافية ضد إيران أو حتى ضد «حزب الله» في لبنان. لكن مع تطورات الداخل الإيراني، باتت أولويات إدارة ترامب أكثر وضوحًا: تغيير النظام في إيران أولًا، وتأجيل أو تجميد أي خطوات قد تعرقل هذا الهدف. ومن المرجح، بحسب هرئيل، أن يُطلب من إسرائيل مواءمة تحركاتها العسكرية والإعلامية مع هذا التوجه، سواء في إيران أو في لبنان، مع الاكتفاء بضربات محدودة ومركزة ضد «حزب الله».
وفي هذا السياق، يحذر الكاتب من محاولات بعض الأطراف، مثل رضا بهلوي نجل الشاه المخلوع، ركوب موجة الاحتجاجات، ومن انخراط مسؤولين إسرائيليين في المشهد بتصريحات أو ادعاءات دور مباشر. فبرأي هرئيل، ما يجري في طهران شأن داخلي إيراني بالدرجة الأولى، وأي تدخل لفظي أو استعراضي قد يأتي بنتائج عكسية، في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ الجمهورية الإسلامية.










