4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: ُسقوطُ إيران لَيسَ خِيارًا… بَلِ انْتِحارٌ اسْتِراتيجيٌّ لِلمَنطِقَةِ بِأَسْرِها

ليسَ دِفاعًا عن إيران بحدِّ ذاتِها، بل دِفاعٌ عن الأُمَّةِ كُلِّها من الشَّرقِ إلى الغَرب. فمَن يُراهنُ على سُقوطِ إِيرانَ، كمن يُراهنُ على رُؤيةِ حَلْمَةِ أُذُنِه؛ رِهانٌ عبثيٌّ لا يَستندُ إلى قِراءةٍ واقعيّةٍ لِمَوازينِ القُوّة، ولا إلى فَهمٍ عَميقٍ لِبِنيةِ الدُّوَل.

بقلم: د. ليون سيوفي
١٥ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
22 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: ُسقوطُ إيران لَيسَ خِيارًا… بَلِ انْتِحارٌ اسْتِراتيجيٌّ لِلمَنطِقَةِ بِأَسْرِها

د. ليون سيوفي يكتب: ُسقوطُ إيران لَيسَ خِيارًا… بَلِ انْتِحارٌ اسْتِراتيجيٌّ لِلمَنطِقَةِ بِأَسْرِها

ليسَ دِفاعًا عن إيران بحدِّ ذاتِها، بل دِفاعٌ عن الأُمَّةِ كُلِّها من الشَّرقِ إلى الغَرب. فمَن يُراهنُ على سُقوطِ إِيرانَ، كمن يُراهنُ على رُؤيةِ حَلْمَةِ أُذُنِه؛ رِهانٌ عبثيٌّ لا يَستندُ إلى قِراءةٍ واقعيّةٍ لِمَوازينِ القُوّة، ولا إلى فَهمٍ عَميقٍ لِبِنيةِ الدُّوَل.

إِيرانُ ليست سوريا، ولا يُمكِنُ مُقاربتُها بالأدَواتِ نفسِها، ولا إِسقاطُ السِّيناريوهاتِ ذاتِها عليها. نحنُ أمامَ دَولةٍ من الدُّوَلِ العُظمى الصّاعِدة، تَقفُ على عَتَبةِ امتِلاكِ قُدرةٍ نَوَويّةٍ رادِعة، وتَتمتّعُ بِتَماسُكٍ أَمنيٍّ ومُؤسّساتيٍّ عالٍ، وبِمَنظومةِ دَولةٍ عَميقةٍ لا تُقاسُ بالانفِعالات، ولا تَسقُطُ بالضُّغوطِ الإِعلاميّة، ولا تُهزَمُ بِحُروبِ الشّائعات.


إِنَّ إِيرانَ، كدَولةٍ إِسلاميّةٍ مَركزيّةٍ في الجُغرافيا السِّياسيّةِ لِلمَنطِقة، لا تُمثِّلُ نِظامًا سياسيًّا فحسب، بل تُمثِّلُ رَكيزةَ تَوازُنٍ في وجهِ مَشروعِ الهَيمنةِ الشّامِلة. وسُقوطُها – إِن حَصَلَ افتراضًا – لن يكونَ حَدَثًا مَحلِّيًّا أو إِقليميًّا مَحدودَ الأَثَر، بل زِلزالًا اسْتِراتيجيًّا يَطالُ كُلَّ دُوَلِ المَنطِقة بلا استِثناء، بما فيها تلكَ التي تُضمِرُ العَداءَ لها أو تُراهنُ سِرًّا على إِضعافِها.

 


فسُقوطُ إِيرانَ يعني سُقوطَ فِكرةِ الدَّولةِ القادِرةِ على قولِ «لا»، وسُقوطَ نَموذَجِ الاستِقلالِ النِّسبيّ عن القَرارِ الغَربيّ، وسُقوطَ آخِرِ الحَواجزِ الجِدِّيّةِ في وجهِ إِعادةِ تَشكيلِ الشَّرقِ الأَوسطِ وَفقَ خَرائطَ تُرسَمُ في العَواصِمِ الكُبرى لا في عَواصِمِ المَنطِقة. وهذا تحديدًا ما لا يُناسِبُ كثيرًا من الدُّوَل، حتّى تلكَ التي تَختلِفُ معها سياسيًّا أو أيديولوجيًّا، لأَنَّ البَديلَ عن إِيرانَ القَويّةِ ليسَ «استِقرارًا»، بل فَوضى مُدارَة لا تَستثني أَحدًا.
إِنَّ مَن يَفرَحُ أو يُهلِّلُ أو يُراهنُ على انهِيارِ إِيرانَ، إِنَّما يَفتَحُ – من حيثُ يَدري أو لا يَدري  البابَ على مِصراعيه أَمامَ مَرحلةٍ تُدارُ فيها المَنطِقةُ بلا تَوازُن، وبلا هَوامِش، وبلا قُدرةٍ لأيِّ دَولةٍ على المُناوَرةِ أو حِمايةِ سِيادَتِها. فبعدَ سُقوطِ الدَّولةِ الكَبيرة، لا تَبقى الدُّوَلُ الصَّغيرةُ إِلّا مَشاريعَ مُؤجَّلةً للتَّفكيك، أو الوِصاية، أو الابتِلاعِ النّاعِم.
التّاريخُ السِّياسيّ لا يَرحَمُ السُّذَّج، ولا يُكافِئُ مَن يَقرأُ التَّحوّلاتِ بمنطِقِ الكَراهيةِ أو التَّمنّي. وسُقوطُ الدُّوَل لا يكونُ بالشِّعارات، ولا بالتحريض، ولا بالرِّهانِ على الخارِج، بل بانهيارِ البُنى الدّاخِليّة: الاقتِصاد، المُؤسّسات، الجَيش، والشَّرعيّة. وهذه  مهما اشتدَّ الضَّغط  ما زالت في الحَالَةِ الإِيرانيّةِ قائِمةً ومُتماسِكة..
فلنَقُلها بوضوحٍ فجّ لا يحتمل التلطيف:
سُقوطُ إِيرانَ، إن وقع، لن يكون انتصارًا لأحد، بل إعلانَ انتحارٍ جماعيٍّ للمنطقة.
مَن يُصفِّقُ لانهيارِ دولةٍ مركزيّة، إنّما يُوقِّعُ على وثيقةِ إعدامِ سيادتِه، ويُسلِّمُ رقبتَه طوعًا لمقصلةِ الهيمنة.
بعد إِيرانَ، لا خطوطَ حمراء، ولا دُوَلَ محصَّنة، ولا أَوهامَ اسمُها استقلال.
الخرائطُ ستُعادُ كتابتُها، والجُيوشُ ستُعادُ برمجتُها، والحُكّامُ سيُختارونَ كما تُختارُ الدُّمى…
ومن يظنّ نفسه خارجَ هذا المصير، فهو إمّا جاهلٌ بالتاريخ، أو شريكٌ في الجريمة.
إِيرانُ ليست معركةَ غيرِها، بل الحاجزَ الأخير قبل السقوط الحرّ.
ومن يُراهنُ على كسرِ هذا الحاجز، فليستعدّ لمرحلةٍ بلا توازن، بلا كرامة، وبلا قرار.
في هذه المنطقة، حين تُكسَرُ الدُّوَلُ الكُبرى، لا تُولَدُ الأوطان…
بل تُدفَن.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: ُسقوطُ إيران لَيسَ خِيارًا… بَلِ انْتِحارٌ اسْتِراتيجيٌّ لِلمَنطِقَةِ بِأَسْرِها - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°