20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

رئيس الصومال في لاسعانود: زيارة تعيد ترسيم وحدة الدولة في مواجهة الانفصال

لاسعانود، عاصمة إقليم سول المتنازع عليه، تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى رمز للمواجهة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو ومشروع “أرض الصومال” الانفصالي.

بقلم: عمرو المصري
١٧ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في لاسعانود

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في لاسعانود

شكّلت زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى مدينة لاسعانود، الجمعة، حدثًا سياسيًا وسياديًا بالغ الدلالة، ليس فقط لكونها الأولى لرئيس صومالي إلى المدينة منذ أكثر من أربعة عقود، بل لأنها جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مشاريع الانفصال مع تدخلات خارجية مباشرة.

لاسعانود، عاصمة إقليم سول المتنازع عليه، تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى رمز للمواجهة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو ومشروع “أرض الصومال” الانفصالي، وهو ما منح الزيارة بعدًا يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى رسالة سيادية مكتملة الأركان.

وصول الرئيس الصومالي، برفقة رئيس الوزراء وكبار المسؤولين، ترافق مع مراسم رسمية وحشود شعبية رفعت العلم الصومالي، في مشهد حرصت مقديشو على تعميمه داخليًا وخارجيًا.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في لاسعانود1

 

الزيارة جاءت متزامنة مع تنصيب قيادة إقليمية جديدة في ما يعرف بـ“الولاية الشمالية الشرقية”، التي أعلنت الحكومة الفيدرالية اعتمادها ككيان اتحادي، في خطوة تهدف إلى تثبيت سلطة الدولة المركزية داخل المناطق التي طالما اعتبرتها “أرض الصومال” جزءًا من جغرافيتها السياسية.

زيارة لاسعانود ورسائل السيادة

خطاب الرئيس حسن شيخ محمود في لاسعانود لم يترك مجالًا للتأويل، إذ شدد بشكل مباشر على “وحدة الأراضي الصومالية غير القابلة للتجزئة”، واعتبر أن الفيدرالية ليست بوابة للتفكك، بل إطارًا دستوريًا يحفظ التنوع ضمن الدولة الواحدة. هذا الخطاب لم يكن موجهًا فقط إلى هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي، بل إلى عواصم إقليمية ودولية بدأت تتعامل مع “أرض الصومال” بوصفها كيانًا مستقلًا بحكم الأمر الواقع.

الرسالة الأساسية للزيارة تمثلت في أن مقديشو قادرة على الحضور الميداني، وليس الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية، وأن المناطق المتنازع عليها ليست فراغًا سياسيًا يمكن ملؤه عبر اعترافات خارجية. كما سعت القيادة الصومالية إلى توجيه إشارة واضحة للعشائر المحلية، مفادها أن الدولة الفيدرالية هي الإطار الحامي لمصالحها، في مواجهة مشاريع تقسيم تستثمر في الانقسامات القبلية.

إسرائيل على الخط

تأتي زيارة الريس الصومالي إلى لاسعانود بعد تطور إقليمي بالغ الخطورة، تمثل في اعتراف إسرائيل الرسمي باستقلال “أرض الصومال” في ديسمبر 2025، في خطوة وُصفت داخل الصومال بأنها اعتداء مباشر على السيادة الوطنية، وخرق صريح للإجماع الإفريقي والدولي. هذا الاعتراف لم يكن معزولًا عن السياق الأوسع للسياسة الإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تسعى تل أبيب إلى تثبيت موطئ قدم استراتيجي في مواجهة خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران وحلفاؤها، وتأمين خطوط الملاحة المرتبطة بميناء إيلات.

التقارب الإسرائيلي مع هرجيسا تَمثّل في زيارات متبادلة وتصريحات عن تعاون أمني واقتصادي، بما في ذلك الحديث عن موانئ وقواعد محتملة. هذه الخطوات أثارت قلقًا واسعًا في مقديشو، التي رأت فيها محاولة لتكريس كيان انفصالي عبر بوابة التطبيع، مستغلة هشاشة الدولة الصومالية وتعدد مراكز النفوذ داخلها. ووفق مصادر صومالية، فإن الحكومة تعتبر أن التحرك الإسرائيلي لا ينفصل عن شبكة تحالفات إقليمية تضم أطرافًا تسعى لإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي.

تداعيات إقليمية

التحرك الإسرائيلي فتح الباب أمام تصعيد إقليمي غير مباشر، إذ أعلنت جماعة الحوثي في اليمن أن أي وجود إسرائيلي في “أرض الصومال” سيحوّل الإقليم إلى “هدف مشروع”، ما ينذر بامتداد التوترات في البحر الأحمر إلى الداخل الصومالي. في المقابل، سارعت أطراف إقليمية، بينها جيبوتي، إلى تأكيد دعمها لوحدة الصومال، في محاولة لاحتواء تداعيات الاعتراف الإسرائيلي ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح.

في هذا السياق، تبرز زيارة الرئيس الصومالي إلى لاسعانود كجزء من معركة أوسع على مستقبل القرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح دولية وإقليمية، من أمريكا في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، إلى تركيا ومصر وإثيوبيا، وصولًا إلى إسرائيل. كل طرف يسعى لتأمين نفوذه عبر الموانئ، القواعد العسكرية، أو التحالفات السياسية، بينما تبقى الدول الهشة، مثل الصومال، ساحة اختبار لهذه الصراعات.

وحدة تحت الاختبار

رغم الزخم الرمزي للزيارة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة الخطاب الوحدوي إلى سياسات عملية. فالفيدرالية الصومالية ما زالت تعاني من اختلالات عميقة، سواء في العلاقة مع بعض الولايات، أو في إدارة الموارد، أو في احتواء التباينات القبلية. كما أن مشروع “الولاية الشمالية الشرقية” قد يفتح باب صراع جديد إذا لم يُدار بتوافق واسع، خصوصًا مع إقليم بونتلاند الذي يراقب التطورات بحذر.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by TRT Afrika (@trtafrika)

 

مع ذلك، لا يمكن فصل الحراك الوحدوي الحالي عن الصدمة التي أحدثها الاعتراف الإسرائيلي بـ“أرض الصومال”، إذ يبدو أن هذا التطور أعاد إحياء النزعة الوطنية الصومالية، ودفع مقديشو إلى التحرك بسرعة لكسر حالة الجمود. زيارة لاسعانود، بهذا المعنى، ليست مجرد حدث داخلي، بل رد سياسي مباشر على محاولة فرض واقع انفصالي مدعوم خارجيًا.

قرن إفريقي مضطرب

ما يجري في الصومال يعكس صورة أوسع لحالة السيولة الجيوسياسية في القرن الإفريقي، حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع تدخلات خارجية تحت عناوين الأمن، الاستثمار، أو محاربة الإرهاب. الاعتراف الإسرائيلي بإقليم انفصالي، في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة الدولة، يهدد بتكريس منطق “الخرائط بالقوة”، ويفتح الباب أمام سوابق قد تمتد إلى دول إفريقية أخرى.

في هذا المشهد، تبدو زيارة الرئيس الصومالي إلى لاسعانود محاولة لإعادة تثبيت الخط الأحمر: وحدة الدولة ليست محل تفاوض خارجي، ولا يمكن اختراقها عبر التطبيع أو المصالح الأمنية. نجاح هذه الرسالة سيعتمد على قدرة مقديشو على الصمود سياسيًا وأمنيًا، وعلى مدى استعداد الإقليم والمجتمع الدولي لاحترام سيادة الدول الإفريقية، بدل تحويلها إلى ساحات صراع مفتوحة.

معركة طويلة النفس

لا يمكن اعتبار زيارة لاسعانود نهاية للصراع، بل بداية مرحلة جديدة من شدّ الحبال بين مشروع الدولة ومشاريع التفكيك. إسرائيل، باعترافها بـ“أرض الصومال”، أدخلت عاملًا تفجيريًا إلى معادلة معقدة أصلًا، بينما تحاول مقديشو الرد بأدوات السيادة والحضور الميداني. بين هذين المسارين، يبقى القرن الإفريقي على حافة تحولات كبرى، ستحددها قدرة دوله على حماية وحدتها، أو فشلها في مواجهة التدخلات الخارجية التي لا ترى في المنطقة سوى رقعة نفوذ ومصالح.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال