إيران تشهد منذ شهور موجة احتجاجات واسعة بدأت بتجمعات سلمية في عدد من المدن، قبل أن تتحول إلى مواجهات أكثر عنفاً مع قوات الأمن.
هذه الاحتجاجات، بحسب تقارير حقوقية دولية، جاءت نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى شعور قطاعات واسعة من الشعب بأن النظام لم يعد قادراً على تلبية مطالبهم الأساسية.
في المقابل، تؤكد السلطات الإيرانية أن بعض هذه التحركات تم استغلالها من قبل جماعات وصفتها بـ"الإرهابية"، وأن الهدف منها هو زعزعة الاستقرار الداخلي.
إيران ترى أن هذه الاحتجاجات ليست مجرد تعبير عن الغضب الشعبي، بل جزء من مخطط خارجي يستهدف إضعافها، وهو ما يفسر تصريحات المسؤولين الإيرانيين المتكررة عن وجود تدخلات أمريكية مباشرة في تأجيج الأوضاع.
هذا الاتهام يتقاطع مع ما نشرته صحف أمريكية مثل واشنطن بوست التي تحدثت عن دعم واشنطن للمعارضة الإيرانية عبر قنوات غير رسمية.
الموقف الرسمي الإيراني
إيران عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي شددت على ضرورة أن تقوم الأمم المتحدة بإدانة التدخلات الأمريكية غير القانونية في شؤونها الداخلية.
خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة }، أكد عراقجي أن الأحداث بدأت سلمية، لكن دخول عناصر مسلحة حولها إلى مواجهات دامية.
وأوضح أن بلاده ملتزمة بحقوق مواطنيها، بما في ذلك حقهم في التجمع السلمي، مع الحفاظ على النظام العام والأمن، وهذا الموقف يعكس رغبة إيران في تقديم نفسها كدولة تحترم القانون الدولي، لكنها في الوقت ذاته ترى أن أمريكا تمارس عدواناً سياسياً وإعلامياً ضدها.
جوتيريش من جانبه شدد على رفض أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول، مؤكداً ضرورة احترام مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
التدخلات الأمريكية
إيران تعتبر أن التدخلات الأمريكية في شؤونها الداخلية ليست جديدة، بل امتداد لسياسة طويلة تهدف إلى إضعافها إقليمياً.
الرئيس الحالي دونالد ترامب، منذ توليه الحكم في يناير 2024، تبنى خطاباً أكثر تشدداً تجاه طهران، وهدد مراراً باستخدام القوة العسكرية إذا استمرت الحكومة الإيرانية في ما وصفه بـ"القمع الدموي".
تصريحات ترامب الأخيرة عبر منصته "تروث سوشيال" التي دعا فيها المحتجين إلى مواصلة التظاهر، اعتبرتها إيران دليلاً على تورط مباشر في إذكاء الأزمة.
هذا التدخل الأمريكي يعكس أن واشنطن ترى في الاحتجاجات فرصة لإعادة رسم المشهد السياسي في إيران، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول الأزمة الداخلية إلى صراع إقليمي أوسع، خاصة في ظل وجود قواعد أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، والتي تعتبرها إيران أهدافاً مشروعة في حال أي عدوان مباشر.
التصعيد الإقليمي
إيران تدرك أن الاحتجاجات الداخلية تتزامن مع تصعيد إقليمي خطير، وتحركات حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن" من بحر الصين الجنوبي إلى منطقة الخليج، بحسب تقارير نيوزويك، تعكس أن واشنطن ترفع منسوب جاهزيتها لمواجهة أي تطورات في إيران، وهذا التحرك العسكري يرسل رسالة مزدوجة: ردع إيران من جهة، وطمأنة الحلفاء الإقليميين من جهة أخرى.
في المقابل، حذرت طهران من أن أي تدخل عسكري أمريكي سيقابل برد مباشر، وأن القواعد الأمريكية والإسرائيلية ستكون أهدافاً مشروعة.
هذا الموقف يعكس أن إيران ترى في الكيان الصهيوني جزءاً من العدوان المستمر عليها، وأن المواجهة ليست فقط مع واشنطن بل مع محور كامل يسعى إلى إضعافها.
البعد الفلسطيني
إيران تربط بين ما تتعرض له داخلياً وبين ما يحدث في فلسطين، والمسؤولون الإيرانيون يؤكدون أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس مجازر يومية منذ أكتوبر 2023 في غزة والضفة، وأن أمريكا شريك مباشر في هذه الجرائم عبر دعمها العسكري والسياسي للكيان الصهيوني.
هذا الربط يعكس أن إيران ترى نفسها جزءاً من محور المقاومة الذي يقف في مواجهة الاحتلال والعدوان، وأن أي تصعيد ضدها مرتبط بشكل وثيق بالصراع الفلسطيني.
التداعيات الاقتصادية
إيران تواجه أيضاً ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة العقوبات الأمريكية والأوروبية، وهذه العقوبات، بحسب تقارير رويترز، أدت إلى تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق.
هذا الوضع الاقتصادي المتدهور يمثل أحد أبرز أسباب الاحتجاجات الشعبية، حيث أن المواطنين يعانون من نقص في السلع الأساسية وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.
في المقابل، ترى الحكومة الإيرانية أن هذه العقوبات جزء من العدوان الأمريكي المستمر، وأن الهدف منها هو دفع الشعب إلى الانفجار الداخلي.
البعد الإعلامي
إيران تدرك أن المعركة ليست فقط في الشارع أو على المستوى العسكري، بل إعلامية أيضاً، ووسائل الإعلام الغربية، بحسب تقارير بي بي سي، ركزت على تصوير الاحتجاجات كحركة شعبية واسعة ضد النظام، بينما الإعلام الإيراني الرسمي يصفها بأنها مؤامرة خارجية، وهذا التباين في السرد يعكس أن الاحتلال والكيان الصهيوني وأمريكا يسعون إلى استخدام الإعلام كسلاح إضافي في معركة النفوذ.










