21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: حين يُكافَأ الخائن بلقب زعيم

ليست الخيانةُ دائماً فعلاً صاخباً، ولا تأتي دائماً على هيئةِ انقلابٍ أو خنجرٍ ظاهر. في كثيرٍ من الأوطان، تدخل الخيانةُ بهدوء، تجلس على الكرسيّ، وتطلب من الجميع أن يَطمئنّوا. لا ترفع صوتها، ولا تُعلِن عداءها، بل تتقدّم بوجهٍ هادئ، وتُقدَّم على أنّها خيارٌ عاقل في زمنٍ مُضطرب.

بقلم: د. ليون سيوفي
١٨ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
23 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: حين يُكافَأ الخائن بلقب زعيم

د. ليون سيوفي يكتب: حين يُكافَأ الخائن بلقب زعيم

ليست الخيانةُ دائماً فعلاً صاخباً، ولا تأتي دائماً على هيئةِ انقلابٍ أو خنجرٍ ظاهر. في كثيرٍ من الأوطان، تدخل الخيانةُ بهدوء، تجلس على الكرسيّ، وتطلب من الجميع أن يَطمئنّوا. لا ترفع صوتها، ولا تُعلِن عداءها، بل تتقدّم بوجهٍ هادئ، وتُقدَّم على أنّها خيارٌ عاقل في زمنٍ مُضطرب.

الخائنُ الذكيّ لا يصرخ، لا يُهدِّد، ولا يبدو عدوانيّاً. على العكس، يُتقِن لغةَ العَقلانيّة، ويُكثر من الحديث عن الاستِقرار، ويُعيد تعريف الوَطن ليُصبِح مساحةً قابلةً للتقليص، وكرامةً قابلةً للتأجيل. في قاموسه، لا وجود للثوابت، بل أولويّات متحرّكة، ولا مكان للمواجهة، بل دائماً مسارٌ جانبيّ يُسمّى حكمة.

في هذا النّموذج، لا تُقاس الزَّعامةُ بما يُدافَع عنه، بل بما يُتَنازَل عنه من دون ضجيج. لا يُسأَل الزعيم عمّا حَمى، بل عمّا تَجنَّب: تَجنَّب الصِّدام، تَجنَّب الكلفة، وتَجنَّب قول “لا”. وهكذا تُدار الأوطان بمنطق الأَقلّ أذى لا بمنطق الأَحقّ، ويُربَّى الشَّعب على فِكرةٍ خطيرة مفادها أنّ الكَرامة ترف، وأنّ الصَّوت العالي تهديد، وأنّ الصَّمت فضيلة.

في لَحظاتِ الإنهاك الكبرى، حين يُستنزَف النّاس، ويُثقَلون بالخوف، ويُرهَقون بالأزمات، يُقدَّم لهم الخضوعُ على أنّه حَلٌّ مؤقّت، ثم لا يلبث أن يتحوّل إلى نِظام. في التّاريخ الحديث، لم تُنصَّب الخيانةُ فجأة، بل دُرِّبت طويلاً، وقُدِّمت على جرعاتٍ صغيرة حتّى يعتادها الناس، ثم قيل لهم ببساطة: هذا هو “الزعيم”.

إنّه زعيمٌ لا يُقلق أحداً، ولا يُغضِب الخارج، ولا يرفع سقفاً أعلى من المسموح. يعرف حدوده جيّداً، ويقف دائماً داخل الخطّ المرسوم له، ويُقنع شعبه بأنّ الجدار هو الأفق. في هذا النموذج، لا تُقاس القيادةُ بالكرامة بل بالانضباط، ولا تُقاس الوطنيّةُ بالثبات بل بالمرونة؛ مرونة التنازل، ومهارة التبرير، وفنّ تحويل الهزيمة إلى خطابٍ عقلانيّ أنيق.

الخيانة هنا لا تُسمّى خيانة، بل تُعاد صياغتها بلغةٍ مُهذَّبة: واقعيّة، مصلحة عليا، تجنّب الأسوأ، حماية الاستقرار. أمّا من يرفض، من يرفع الصّوت، من يُذكّر بحقوقٍ غير قابلة للتفاوض، فيُوصَف بأنّه خطر، متهوّر، غير مناسب للمرحلة، أو ببساطة غير ناضج سياسيّاً. والأكثرُ سواداً أنّ هذا النّوع من الزُّعماء لا يحتاج إلى محبّة الشَّعب؛ يكفيه أن يُفرِغهم من الغَضب. فالاعتياد، حين يحلّ محلّ الرّفض، يُميت الفكرة قبل أن تموت القضيّة. إنّه لا يُشبه الطُّغاة القُدامى، بل يُشبه المُدير البارد للأزمة؛ لا يُحبّ الوطن ولا يَكرهه، بل يُديره… كما تُدار الخسارة.

وهنا الخاتمة التي تَكشف المشهد كاملاً...
يأتون به على فَرَسٍ أَبيض، في هيئةِ المُنقِذ، محمولاً على التصفيق، ومُثقَلاً بالوعود، وكأنّ الخراب كان ينتظر اسماً لا مشروعاً. يُقال للنّاس إنّه الفرصة الأخيرة، وإنّ ما قبله كان الفوضى، وما بعده سيكون الخلاص. ثم تُغلَق الأبواب، وتَهدأ الأصوات، وتَقع المفاجأة. 

الخائنُ الذي أتحدّث عنه لا يتعثّر في دَوره، بل يُؤدّيه بإتقانٍ بارد، يَسمع الدَّرس جيّداً، ويُعيد تمثيله كما طُلِب منه، يعرف متى يتقدّم خطوة، ومتى يتراجع خطوتين، ومتى يصمت ليُمرِّر ما لا يُقال. لا يحتاج إلى قناعة، يكفيه الحفظ، ولا إلى إيمانٍ بالقضيّة، يكفيه التنفيذ. 
لم يكن المُنقِذ سوى الدَّور ذاته بوجهٍ جديد، ولم يكن الفَرَس الأبيض سوى ستارٍ ناصع يُخفي استمرار الخسارة. هكذا تتحوّل الخيانة، حين تُتقِن التمثيل، من فعلٍ عابر إلى نِظامٍ مُستدام.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: حين يُكافَأ الخائن بلقب زعيم - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°