في لحظةٍ إقليميّةٍ بالغةِ الحَساسيّة، يأتي فتحُ أبوابِ السُّجون أمامَ آلافِ الدَّواعش في المناطقِ الكُرديّة في سوريّا كحدثٍ لا يجوزُ التَّعامل معهُ بخِفّةٍ أو لا مُبالاة. إنّهُ تطوّرٌ خَطِرٌ، لا يقتصرُ أثرُهُ على الجغرافيا السُّوريّة، بل يُنذِرُ بارتداداتٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ تطالُ لُبنان والمنطقةَ بأسرِها، في زمنٍ تتداخلُ فيهِ السُّاحات وتنهارُ فيهِ الحواجزُ بينَ الدَّاخليّ والإقليميّ.
إنَّ إخراجَ عناصرَ مُتطرّفةٍ مُدرَّبةٍ، عابرةٍ للحدودِ والهُويّات، من دونِ محاكماتٍ عادلةٍ أو إطارٍ دوليٍّ ضابط، يعني عمليًّا إعادةَ تدويرِ الإرهاب لا إنهاءَهُ. هؤلاء ليسوا أفرادًا عاديّين، بل حَمَلةُ فِكرٍ دَمَويٍّ، وخِبرةٍ قتاليّةٍ، وشبكاتِ تواصُلٍ نائمةٍ، تنتظرُ اللَّحظةَ المُناسبةَ للعودةِ إلى الفِعل. وما سوريّا إلّا ساحةٌ مفتوحة، إذا اشتعلت، فلن تتوقّفَ نيرانُها عند حدودِها.
الخطرُ الأكبرُ يكمنُ في أنَّ هذه الفوضى المُستجدّة تُعيدُ إنتاجَ بيئةِ الانفجار الإقليميّ. فالمخيّماتُ المُحيطة، التي تضمّ عائلاتِ المُقاتلين، قد تتحوّلُ إلى مُختبراتِ تطرّفٍ جديدة، حيثُ يُربّى جيلٌ ناقمٌ، مُحمَّلٌ بالحِقد، ومنفصلٌ عن أيِّ أُفقٍ إنسانيٍّ أو سياسيّ. ومع تلاقي هؤلاء مع عناصرَ مُفرَجٍ عنهم، يصبحُ المشهدُ أشبهَ بقنبلةٍ موقوتةٍ مؤجَّلةِ الانفجار.
أمّا لُبنان، فهو ليسَ بمنأى عن هذا الزَّلزال. بلدٌ مُنهَكٌ اقتصاديًّا، مُنقسِمٌ سياسيًّا، ومُثقَلٌ بحدودٍ مُخترَقةٍ أصلًا، لا يحتملُ أيَّ موجةِ تسرُّبٍ أمنيٍّ أو عَقائديّ. إنَّ عودةَ التَّنظيماتِ المُتطرّفة إلى الحركة تعني تلقائيًّا إعادةَ فتحِ خطوطِ التَّسلُّل، وتفعيلَ الخلايا النّائمة، واستغلالَ أيِّ فراغٍ أمنيٍّ أو احتقانٍ اجتماعيٍّ. والتّجاربُ السّابقة شاهدةٌ: كلّما اهتزّت سوريّا، دفعَ لُبنان الثَّمنَ دَمًا واستقرارًا.
إقليميًّا، فإنّ هذا التطوّر يمنحُ الذَّرائعَ لكلّ تدخُّلٍ خارجيٍّ جديد، ويُعيدُ خلطَ الأوراق بينَ الدُّولِ الفاعلة. فالدَّولةُ السُّوريّة ستقدّمُ نفسَها كخيارٍ وحيدٍ في مواجهةِ الفوضى، والدُّولُ المُجاورة ستُشدِّدُ إجراءاتِها وتوسّعُ تدخُّلاتِها، أمّا القوى الدُّوليّة فستُعيدُ حساباتِها على قاعدةِ المصالحِ لا القيم. وفي هذه الفوضى، يضيعُ الأمنُ العربيّ، وتُستنزَفُ المجتمعات، وتُدفَعُ الشُّعوبُ مرّةً أخرى إلى حروبٍ بالوكالة.
إنّ التَّحذيرَ اليومَ ليسَ ترفًا سياسيًّا ولا مُبالغةً إعلاميّة. ما يجري هو إنذارٌ مُبكِّرٌ بانفجارٍ مُحتمل، إذا لم يُواجَه بعقلٍ باردٍ ومسؤوليّةٍ عالية. المطلوبُ موقفٌ واضحٌ، عربيٌّ وإقليميٌّ، يَرفضُ تحويلَ السُّجون إلى بوّاباتِ فوضى، ويَمنعُ استخدامَ الإرهاب كورقةِ ضغطٍ أو أداةِ تفاوض.
فالنّارُ التي تُترَكُ مشتعلةً في سوريّا، لن تتأخّرَ في الوصولِ إلى لُبنان، وعندها لن ينفعَ النَّدم، ولا البيانات، ولا الخطاباتُ المتأخّرة










