20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: الصحة النفسية:ثورة الوعي الموؤودة

سارة جاسم تكتب: الصحة النفسية:ثورة الوعي الموؤودة

بقلم: سارة جاسم
٢١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
25 مشاهدة
تعبيرية

تعبيرية

لعقود طويلة، اعتبرت "المرأة الصبورة" هي النموذج المثالي في المجتمع العراقي؛ تلك التي تتحمل الحروب، الفقد، والضغوط دون شكوى. ولكن في عام 2026، يبدو أن جيلاً جديداً من الشابات العراقيات قد قرر إعادة تعريف مفهوم "القوة"؛ فلم يعد الصمود يعني كبت الألم، بل أصبح يعني امتلاك الشجاعة لمواجهته. نحن نشهد اليوم ثورة "وعي نفسي" تكسر جدران الصمت (التابو) التي صمدت لقرون، لكنها تصطدم بواقع قانوني واجتماعي مرير يحاول تحويل هذا الوعي إلى "سلاح" ضدها.


كسر حلقة "الصدمات المتوارثة"


تدرك الشابة العراقية اليوم أنها لا تحمل فقط همومها الشخصية، بل تحمل "صدمات متوارثة" (Intergenerational Trauma) ناتجة عن عقود من عدم الاستقرار. لم تعد الشابة تكتفي بجملة "هذا نصيبك" أو "اصبري لكي لا ينهار البيت"، بل بدأت تبحث عن جودة الحياة النفسية كحق أساسي. هذا التحول قاد الشابات إلى طرح أسئلة عميقة حول القلق والخوف، وفهم أن ردود الفعل النفسية ليست ضعفاً، بل استجابات طبيعية لبيئة غير طبيعية.


إن هذا الحراك النفسي ليس مجرد تمرّد على المألوف، بل هو إدراكٌ واعٍ بأن الصمت لم يكن يوماً حلاً، بل كان وعاءً تنتقل عبره الصدمات من جيل إلى آخر. لقد أدركت الشابة العراقية أن "الصبر التقليدي" الذي مارسته الأمهات والجدات –رغم نبل دوافعه– كان في جوهره "آلية بقاء" قسرية وليس خياراً للصحة النفسية. لذا، فإن سعيها اليوم لفك شفرات القلق لا يستهدف معالجة أعراضها الفردية فحسب، بل يهدف إلى تفكيك "الأرث العاطفي المثقل" الذي حُمّلت به دون إرادتها. هي ترفض أن تكون مستودعاً لآلام الحروب والنزوح التي لم تعش تفاصيلها جسدياً، لكنها استشعرت ذبذباتها في توتر البيت ونبرات الصوت المرتجفة. بهذا المعنى، يصبح التعافي النفسي فعلاً من أفعال المقاومة واسترداداً للهوية ،فهي لا ترمم ذاتها فقط بل ترسم حدوداً صحية تحمي بها الأجيال القادمة من "عدوى الخوف" التي استمرت لعقود."


الفضاء الرقمي: العيادة البديلة 


لعب التطور الرقمي في العراق دور "المسرّع" لهذه الثورة، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحات آمنة . وتشير تقديرات لعامي 2025-2026 إلى زيادة بنسبة 40% في إقبال الشابات على منصات الاستشارات النفسية الرقمية.


ومع ذلك، تظهر البيانات أن 7 من كل 10 نساء يفضلن "الاستشارة السرية" أو استخدام أسماء مستعارة. هذا الحذر ليس نابعاً من الوصمة الاجتماعية فحسب، بل هو إجراء وقائي لمواجهة تهديد حقيقي: خشية استغلال هذه المراجعات كوثائق رسمية في دعاوى الطلاق والحضانة.


الحضانة وسلاح "الأهلية النفسية"


تعد حضانة الأطفال للأم  هي "ساحة المعركة" الكبرى فبينما يمنح القانون الحضانة للأم، فإنه يشترط "الأمانة والقدرة على تربية المحضون". وهنا يبرز الجانب المظلم حيث يستغل الكثير من الأزواج مراجعة الزوجة لطبيب نفسي أو تناولها أدوية مضادة للقلق —ناتجة غالباً عن ضغوط الحياة والتعنيف— لتصويرها على أنها "غير متزنة عقلياً" أو "تشكل خطراً على الأطفال".


في الوقت الذي تعاني فيه الأمهات الجدد من ضغوط اجتماعية هائلة للقيام بدور "الأم الخارقة"، تواجه الكثيرات وحش "اكتئاب ما بعد الولادة"، وهو اضطراب بيولوجي ونفسي موثق عالمياً. لكن في البيئة القانونية، غالباً ما يتم تجاهل الطبيعة الطبية لهذا المرض:
 * تزييف الحقيقة: بدلاً من تقديم الدعم للأم، يعمد بعض الأزواج إلى توثيق حالات البكاء أو التعب لتقديمها للقضاء كدليل على "إهمال المحضون".


 * الوصمة القاتلة: تُجبر الأم على إخفاء معاناتها وتجنب المساعدة الطبية خوفاً من سلب طفلها منها، مما يحول مرحلة الأمومة إلى حالة من الرعب النفسي، حيث تختار الأم المرض بصمت كأهون الشرين.


تتحدث محاميات عراقيات عن ظاهرة "الابتزاز الطبي"، وهو تهديد الطليق لزوجته بفضح سجلاتها النفسية أو تقديم فواتير الأدوية للمحكمة لإجبارها على التنازل عن حقوقها المالية أو الحضانة.


يكمن الخلل في غياب الحماية التشريعية لسرية المريض؛ فلا توجد نصوص صريحة تمنع استخدام الملفات الطبية النفسية في دعاوى الحضانة إلا في حالات العجز العقلي التام. كما أن النظرة القضائية التقليدية لا تزال تعاني من قصور في التمييز بين "الاضطراب العارض" الناتج عن ضغوط البيئة، وبين "القدرة الفعلية على الرعاية".


نحو قانون ينصف "الأم المتعافية"


إن ثورة الصحة النفسية في العراق هي حركة "تحرر داخلي". ولكن، عندما تقرر امرأة أن تتشافى، لا يجب أن يكون ثمن ذلك فقدان أمومتها. إن استغلال سعي المرأة للتعافي من أجل "لي ذراعها" هو جريمة اجتماعية مركبة.


عشتار العراقية اليوم لا تحتاج فقط إلى طبيب يداوي جراحها، بل تحتاج إلى قانون يحمي حقها في أن تكون "متعافية" و"أماً" في آن واحد. لقد ولى زمن "الصمت القاتل"، ويجب أن يبدأ زمن "الحماية القانونية للبوح الشافي".


إن جوهر الأزمة يكمن في تلك الفجوة السحيقة بين تطور الوعي الفردي وجمود النصوص القانونية فبينما تخوض المرأة معركتها لترميم شتاتها النفسي، يصطدم سعيها بمنظومة قد تُسِيء فهم 'طلب المساعدة النفسية' وتفسره خطأً على أنه 'فقدان للأهلية'. إن استغلال التقارير الطبية أو الجلسات العلاجية كسلاح في نزاعات الحضانة هو إرهاب عاطفي يُجبر الأم على الاختيار بين صحتها النفسية وبين أطفالها. لذا، فإن العدالة التي ننشدها تتطلب تشريعاتٍ لا تكتفي بحماية الجسد، بل تحمي 'الحق في الضعف الإنساني' والتعافي منه، تشريعات تدرك أن الأم التي تملك الشجاعة لمواجهة صدماتها هي الأكثر كفاءة لتنشئة جيل متصالح مع ذاته. إن الانتقال من 'الوصمة' إلى 'الحصانة القانونية' للرحلة العلاجية هو الضمان الوحيد لكي لا يتحول الوعي إلى فخ، ولكي لا تضطر 'عشتار' من جديد لدفن أوجاعها حيةً خوفاً من مقصلة القانون وسلطة المجتمع.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير