انطلقت فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، تحت شعار لافت يحمل دلالة معرفية عميقة: "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً"، وذلك بحضور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ووزير الثقافة أحمد فؤاد هنّو، إلى جانب عدد من الوزراء والدبلوماسيين العرب، ونخبة واسعة من المثقفين والكُتّاب، في افتتاح يعكس مكانة المعرض بوصفه حدثًا ثقافيًا إقليميًا يتجاوز حدود النشر إلى فضاء التأثير الفكري والسياسي.
ويمثل هذا الحضور الرسمي والثقافي المتنوع تأكيدًا على الدور المحوري للمعرض كمنصة للحوار الثقافي، ومجال لتقاطع المعرفة مع القضايا الكبرى التي تشهدها المنطقة.
أكبر دورة في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب
تُعدّ هذه الدورة الأكبر في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب من حيث حجم المشاركة وتنوّع الفعاليات، إذ يشهد المعرض مشاركة 1457 دار نشر من 83 دولة، في مشهد يعكس اتساع رقعة الحضور الدولي، وتزايد الثقة في القاهرة بوصفها عاصمة ثقافية جامعة.
ويقدّم المعرض هذا العام نحو 400 فعالية ثقافية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفًا عربيًا وأجنبيًا، وأكثر من 1500 مثقف ومبدع، ما يحوّل المعرض إلى فضاء حيّ لتبادل الأفكار، وإنتاج النقاشات، وإعادة الاعتبار لدور الثقافة في زمن التحولات المتسارعة.
رموز الثقافة المصرية في صدارة المشهد
في بُعد رمزي بالغ الدلالة، تم اختيار الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، في استحضار لإرث أدبي شكّل أحد أعمدة السرد العربي الحديث، وربط الثقافة المصرية بالفضاء الإنساني الأوسع.
كما تم اختيار الفنان محيي الدين اللباد شخصية لمعرض كتاب الطفل، بما يعكس اهتمام المعرض بتكريس الثقافة البصرية والمعرفية للأجيال الجديدة، بينما تحلّ دولة رومانيا ضيف شرف الدورة، في خطوة تعزز الانفتاح الثقافي وتبادل التجارب بين الثقافات.
الحضور السعودي: شراكة ثقافية متعددة الأبعاد
تشهد هذه الدورة من معرض القاهرة الدولي للكتاب مشاركة واسعة للمملكة العربية السعودية عبر عشر جهات حكومية، تقودها هيئة الأدب والنشر والترجمة، بمشاركة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، والملحقية الثقافية السعودية في مصر، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والمرصد العربي للترجمة، والمختبر السعودي للنقد، وجمعية النشر.
ويعكس هذا الحضور الكثيف رؤية سعودية تستثمر في الثقافة بوصفها رافعة للهوية، وأداة للتواصل الحضاري، وجسرًا للتفاعل المعرفي العربي والدولي.

فلسطين في المعرض: الثقافة كفعل مقاومة وهوية
مثّل دولة فلسطين في حفل الافتتاح المستشار الثقافي لسفارة فلسطين بالقاهرة ناجي الناجي، الذي أكد أن مشاركة فلسطين في المعرض تحمل رسالة تتجاوز النشر والكتاب، مفادها أن "صوت الثقافة والحياة سيظل أعلى من صوت الدمار والموت".
وشدد الناجي على أن الحفاظ على الإرث والتراث الثقافي يشكّل رسالة محورية في تجذير القضية الفلسطينية، والتأكيد على استمرارية الهوية الوطنية وديمومتها، في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء.
الجناح الفلسطيني: ذاكرة حية في وجه الغياب
ويستضيف جناح دولة فلسطين عددًا من الكُتّاب الفلسطينيين لتوقيع إصداراتهم الجديدة، إلى جانب مشاركة كُتّاب في مجالات الفكر والرواية والفن التشكيلي، بما يقدّم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي الفلسطيني.
كما يستقبل الجناح عددًا من الحكّائين الفلسطينيين الذين ينقلون الحكاية الشفوية الفلسطينية إلى جمهور المعرض، في محاولة لحفظ الذاكرة الشعبية ونقلها للأجيال الجديدة. ويبرز الجناح كذلك مناقب وأعمال الشاعر الفلسطيني سليم النفار، الذي قتلته إسرائيل في الحرب الأخيرة، فيما لا تزال قصيدته حاضرة في فضاء الجناح، كشاهد ثقافي على حياة قُطعت، وكلمة بقيت.
المعرض كمساحة اشتباك ثقافي ناعم
تعكس الدورة السابعة والخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب تحوّل المعرض من كونه حدثًا ثقافيًا تقليديًا إلى مساحة اشتباك ثقافي ناعم، تتقاطع فيها الهوية مع السياسة، والذاكرة مع المستقبل. ففي زمن تتراجع فيه القراءة أمام سطوة الوسائط السريعة، يقدّم المعرض نموذجًا مضادًا يؤكد أن الثقافة لا تزال قادرة على الفعل والتأثير، وأن الكتاب يبقى أداة مركزية في معركة الوعي.










