19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من لاسعانود إلى البحر الأحمر: تحالف رباعي يكسر احتكار الإمارات للنفوذ الإفريقي

رسالة سياسية مركّبة تستهدف مباشرة النفوذ الإماراتي المتغلغل في السواحل الصومالية ومفاصل القرار المحلي.

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٤ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
17 مشاهدة
تحالف رباعي يكسر احتكار الإمارات للنفوذ الإفريقي

تحالف رباعي يكسر احتكار الإمارات للنفوذ الإفريقي

في تطور يعكس احتدام الصراعات الجيوسياسية وحروب الوكالة الممتدة من البحر الأحمر إلى بحر العرب والقرن الإفريقي، شهد إقليم شمال شرقي الصومال، في 17 يناير، حدثًا سياسيًا يتجاوز طابعه البروتوكولي، تمثل في وصول سفراء كل من السودان ومصر والسعودية وتركيا إلى مدينة لاسعانود، للمشاركة في مراسم تنصيب قيادة الولاية الجديدة، بحضور قيادات الحكومة الفيدرالية الصومالية.

هذا الحضور المتزامن، وفق مصادر سودانية وصومالية تحدثت إلى «مدى مصر»، لم يكن مجرد تعبير عن دعم شكلي لوحدة الصومال، بل رسالة سياسية مركّبة تستهدف مباشرة النفوذ الإماراتي المتغلغل في السواحل الصومالية ومفاصل القرار المحلي، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها، حيث تعمل أبو ظبي على بناء شبكات نفوذ موازية للدولة الفيدرالية.

رسالة سيادية مزدوجة

مصادر دبلوماسية سودانية وصومالية أكدت أن الزيارة حملت دلالتين متلازمتين: الأولى تأكيد دعم وحدة الأراضي الصومالية وشرعية الحكومة الفيدرالية، والثانية توجيه إشارة رفض صريحة لمحاولات التدخل الإماراتي، التي باتت تُنظر إليها إقليميًا باعتبارها عامل تفكيك للاستقرار وليس ركيزة دعم.

مراسم تنصيب قيادة إقليم شمال شرق الصومال، بحضور سفراء السودان ومصر والسعودية وتركيا، 17 يناير. المصدر الموقع الإخباري الصومالي «بوابة إفريقيا»
مراسم تنصيب قيادة إقليم شمال شرق الصومال، بحضور سفراء السودان ومصر والسعودية وتركيا، 17 يناير. المصدر: الموقع الإخباري الصومالي «بوابة إفريقيا»

 

ويأتي هذا التطور في سياق توترات متصاعدة بين الرياض وأبو ظبي في الملف اليمني، واعتراف إسرائيلي سابق بأرض الصومال، ما جعل القرن الإفريقي ساحة تقاطع لمصالح متناقضة، ودفع أطرافًا إقليمية إلى إعادة ترتيب مواقعها تحسبًا لانفلات أمني أوسع.

مقديشيو تبحث عن توازن

في هذا السياق، ترى الحكومة الفيدرالية الصومالية، بحسب مصدر في وزارة الخارجية بمقديشيو، أن التقارب المتسارع بين السودان ومصر والسعودية وتركيا يمثل فرصة سياسية نادرة لمواجهة الضغوط الإماراتية، خاصة في ظل هشاشة البنية الأمنية والاقتصادية للدولة الصومالية.

وأوضح المصدر لـ«مدى مصر» أن هذا المحور، رغم انشغاله الأساسي بمنع انهيار الدولة السودانية، بات معنيًا كذلك بمنع انتقال الفوضى عبر البحر الأحمر، والتصدي لمحاولات فرض أمر واقع جديد في القرن الإفريقي، ما فتح نافذة أمام مقديشيو لإعادة التموضع ضمن شبكة إقليمية أقل عدائية لسيادتها.

إلغاء الاتفاقيات الإماراتية

وكانت الحكومة الفيدرالية الصومالية قد أعلنت، في الأسبوع السابق للزيارة، إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع دولة الإمارات، في خطوة وصفتها بأنها دفاع عن السيادة الوطنية. وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في خطاب ألقاه في 13 يناير، إن أبو ظبي لم تتعامل مع الصومال كدولة موحدة، بل انتهجت سياسة القنوات المتعددة والتدخل غير المعلن داخل البلاد.

الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطاب وطني يعلن فيه إلغاء الحكومة الفيدرالية الصومالية جميع الاتفاقيات الموقعة مع دولة الإمارات، 13 يناير. المصدر وكالة الأنباء الوطنية الصومالية «سونا»
الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطاب وطني يعلن فيه إلغاء الحكومة الفيدرالية الصومالية جميع الاتفاقيات الموقعة مع دولة الإمارات، 13 يناير. المصدر: وكالة الأنباء الوطنية الصومالية «سونا»

 

وأضاف الرئيس الصومالي أن الحكومة حثّت الإمارات مرارًا على احترام المركزية السيادية، والكف عن التواصل السري مع أطراف محلية دون علم الدولة، في إشارة مباشرة إلى شبكات النفوذ التي بنتها أبو ظبي في أقاليم عدة.

أرض الصومال كمنصة نفوذ

ورغم القرار الصومالي، لم تتأثر علاقات الإمارات مع «أرض الصومال»، حيث تواصل أبو ظبي إدارة قاعدة انطلاق من مدينة بوصاصو، ربطتها تقارير أمنية بعمليات نقل أسلحة إلى ميليشيات الدعم السريع في السودان.

وفي مطلع يناير، نقلت الإمارات رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني عيدروس الزبيدي من أرض الصومال إلى مقديشيو ثم إلى أبو ظبي، في خطوة عكست استمرار التعامل الإماراتي مع الكيانات الصومالية خارج الإطار الفيدرالي، رغم الاعتراضات الرسمية.

ضمانات إقليمية لمقديشيو

في موازاة ذلك، كشفت مصادر دبلوماسية سودانية وصومالية لـ«مدى مصر» عن محادثات وزارية جرت خلال الشهر الجاري، قدمت خلالها الخرطوم ضمانات سياسية لمقديشيو بشأن خطوة محتملة لقطع العلاقات مع الإمارات، مؤكدة أن السعودية ومصر وتركيا ستوفر غطاءً سياسيًا واقتصاديًا في حال التصعيد.

وبحسب أحد الدبلوماسيين الصوماليين، فإن مقديشيو كانت تخشى أن تضعها هذه الخطوة في مواجهة مباشرة مع أبو ظبي، خاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تربط الإمارات بكل من القاهرة وأنقرة، ما جعل الحصول على ضمانات مسبقة شرطًا أساسيًا للمضي قدمًا.

التحول البنيوي السوداني

مصدر أمني رفيع سابق في المخابرات السودانية قال لـ«مدى مصر» إن التقارب بين السودان والسعودية ومصر لا يمكن قراءته كتنسيق ظرفي، بل كتعبير عن تحول بنيوي في تموضع الخرطوم الإقليمي، ومحاولة لإعادة إدماج السودان في منظومة أمن البحر الأحمر بعيدًا عن شبكات الفوضى.

وأوضح المصدر أن زيارة الوفد الرباعي إلى لاسعانود جاءت كترجمة عملية لهذا التحول، ورسالة بأن إعادة صياغة النفوذ في القرن الإفريقي لم تعد شأنًا إماراتيًا منفردًا.

سد النهضة كملف أمني

بالتوازي مع هذا المسار، رحب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإحياء الوساطة بين مصر وإثيوبيا حول تقاسم مياه النيل، في ظل تصاعد التوترات الأمنية على الحدود الشرقية للسودان.

الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يتناقشان حول الشؤون الإقليمية ومنها سد النهضة الإثيوبي في المنتدى الاقتصادي العالمي، دافوس، 21 يناير. المصدر «PBS NewsHour» على يوتيوب
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يتناقشان حول الشؤون الإقليمية ومنها سد النهضة الإثيوبي في المنتدى الاقتصادي العالمي، دافوس، 21 يناير. المصدر: «PBS NewsHour» على يوتيوب

 

مصدر دبلوماسي بوزارة الخارجية السودانية قال لـ«مدى مصر» إن الخرطوم تنظر إلى المبادرة الأمريكية باعتبارها تطورًا سياسيًا يتجاوز التفاوض الفني، ويمس مباشرة معادلات الأمن الحدودي، خاصة في ظل التحشيد العسكري الإثيوبي، وبناء قاعدة كبيرة في إقليم بني شنقول-قمز.

منع التوظيف الإثيوبي

مسؤول استشاري بمجلس السيادة أوضح أن السودان أعاد تعريف ملف سد النهضة كقضية أمن قومي مركبة، تتداخل فيها المياه بالحدود، والدبلوماسية بالانتشار العسكري، مؤكدًا أن الخرطوم لا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تسمح بأن يتحول الملف إلى غطاء لدعم قوات الدعم السريع.

وأضاف أن التقاطع السوداني-المصري في التعاطي مع دعوة ترامب يعكس إدراكًا مشتركًا لطبيعة التهديدات القادمة من الشرق، خاصة في مرحلة إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب.

المجلس الاستراتيجي مع الرياض

في هذا السياق، أعاد البرهان تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية، في خطوة اعتبرتها مصادر دبلوماسية سعودية إطارًا مؤسسيًا دائمًا يربط السودان بالمحور السعودي-المصري.

وبحسب مصدر مقرب من السفارة السعودية في الخرطوم، فإن المجلس يوفر مظلة سياسية واقتصادية وأمنية للسودان في مرحلة إعادة الإعمار، ويربطه عمليًا بأجندة إقليمية تسعى إلى تحجيم النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الرياض، 15 ديسمبر 2025. المصدر حساب البرهان على إكس
رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الرياض، 15 ديسمبر 2025. المصدر: حساب البرهان على إكس

 

التمدد الغربي للحرب

ميدانيًا، شهد الصراع السوداني تمددًا خطيرًا خارج الحدود، مع توغل قوات الدعم السريع داخل الأراضي التشادية، ما أسفر عن مقتل سبعة جنود تشاديين، ودفع إنجمينا إلى إطلاق تحذير حاسم.

مصادر عسكرية تشادية أكدت أن الهجوم يمثل خرقًا مباشرًا للسيادة، وتصعيدًا غير مسبوق في مسار الحرب السودانية، خاصة مع انتقال المواجهات من شمال دارفور إلى الشريط الحدودي.

ارتدادات قبلية وإقليمية

مصدر بالقوة المشتركة للحركات المسلحة قال إن الهجمات على مناطق دار زغاوة تحمل طابعًا قبليًا واضحًا، ما أثار استياء قيادات الزغاوة في تشاد، التي يرتبط جزء منها عضويًا بالمشهد السياسي والعسكري في إنجمينا.

في المقابل، زعمت ميليشيات الدعم السريع أن التوغل كان «غير مقصود»، في تبرير لم ينجح في احتواء القلق الإقليمي المتصاعد من تحول الحرب السودانية إلى نزاع عابر للحدود.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال