4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: لماذا يُسلَّح الجيش ويُمنَع الوطن من القرار؟

د. ليون سيوفي يكتب: لماذا يُسلَّح الجيش ويُمنَع الوطن من القرار؟

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
الجيش اللبناني

الجيش اللبناني

يريدون عقد مؤتمرات لدعم ومساعدة الجيش اللبناني، وتُقدَّم هذه المؤتمرات على أنّها فعل إنقاذ وسيادة، فيما الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك، السؤال الذي يُتعمَّد دفنه هو: لماذا الآن؟ ولمصلحة مَن؟ ولمواجهة مَن؟ وهل المشكلة في الجيش أصلًا، أم في الدور الذي تُراد إعادة هندسته له؟

الجيش اللبناني ليس مؤسسة وهمية ولا جيشًا بلا سلاح. هو جيش قائم، منظَّم، ويؤدّي مهمته الطبيعية ضمن دولة مثل لبنان: حماية الاستقرار الداخلي، ضبط الحدود، مكافحة الإرهاب، ومنع الانفلات. إلى جانبه تقوم قوى الأمن الداخلي، والأمن العام، وأمن الدولة، والجمارك، بدورٍ أساسي في حماية المجتمع. هذه هي وظيفة الدولة الطبيعية. لكن المؤتمرات المطروحة اليوم لا تستهدف هذه الوظيفة، بل تتجاوزها إلى إعادة تعريف دور الجيش سياسيًا وأمنيًا.

الجهات التي تقود هذا المسار معروفة بالاسم: الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، الأمم المتحدة، وبصمتٍ أو حضورٍ غير مباشر الاتحاد الأوروبي، مع دعمٍ سياسي ومالي متفاوت من دول إقليمية على رأسها المملكة العربية السعودية.

هذه الجهات لا تعمل بدافع العاطفة ولا حبًا بلبنان، بل وفق حسابات دقيقة تتعلّق بإدارة الاستقرار، ومنع الانفجار، وضبط الحدود، لا ببناء قدرة ردعية حقيقية.

وهنا يُطرح السؤال الحاسم: هل يُراد للجيش اللبناني أن يحارب إسرائيل؟
إسرائيل دولة نووية، تمتلك تفوّقًا جويًا وصاروخيًا مطلقًا، ومحميّة سياسيًا وعسكريًا من الولايات المتحدة وحلفائها. هل تسمح هذه المؤتمرات للجيش اللبناني بامتلاك طائرات حربية؟ صواريخ بعيدة أو قريبة المدى؟ منظومات دفاع جوي حقيقية؟ الجواب معروف: لا. لا يُعرض على لبنان سوى تسليح مضبوط السقف، ممنوع من تغيير أي ميزان قوى، ومسموح له فقط بما يكفي لضبط الداخل.

وإن لم يكن المقصود إسرائيل، فهل المقصود سوريا؟
هل المطلوب جرّ الجيش اللبناني إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع دولة جارة، ذات تاريخ معقّد ونفوذ أمني طويل في لبنان؟ وهل من مصلحة لبنان فتح جبهة جديدة مع سوريا، أو تحويل جيشه إلى أداة في صراع إقليمي مفتوح؟ أي دولة عاقلة تُسلّح جيشها ليقاتل جيرانه بدل أن تحمي استقرارها وتحصّن حدودها؟

الحقيقة التي تُخفى عمدًا هي أنّ هذه المؤتمرات لا تهدف إلى بناء جيش سيادي كامل، بل إلى تحديد نوع القوة المسموح للبنان بامتلاكها. دعمٌ مشروط، سلاحٌ انتقائي، وتمويلٌ سياسي الهدف، جيش قوي بما يكفي لمنع الفوضى، وضعيف بما يكفي لعدم قلب المعادلات. هكذا تُدار السيادة بالقطّارة، وتُستبدل القرارات الوطنية بالهبات، ويُطلب من اللبنانيين التصفيق بدل السؤال.

لبنان لم يُبنَ كدولة حرب. هو وطن علم وثقافة وحرّيات وديمقراطية واقتصاد خدمات وسياحة. قوّته التاريخية كانت في دوره لا في ترسانته. تحويله إلى دولة عسكرية ليس حماية له، بل محوٌ لهويته ودفعٌ له إلى معارك لا قرار له فيها ولا قدرة على تحمّل نتائجها.

المسألة إذًا ليست دعم الجيش، بل فرض وظيفة على الجيش. ليست ماذا يُعطى، بل ماذا يُمنع عنه ولماذا. وطالما قرار الحرب والسلم ليس بيد الدولة اللبنانية، فإن كل حديث عن تسليح استراتيجي يبقى وهمًا، وكل مؤتمر يبقى أداة إدارة لا مشروع سيادة.

لبنان لا يحتاج جيشًا ليحارب إسرائيل، ولا جيشًا ليصطدم بسوريا، بل دولة تمتلك قرارها،وتحمي جيشها من أن يكون وقودًا لمعارك الآخرين،وتعيد تعريف القوة على أنّها سيادة فعلية لا مؤتمرات ولا صور تذكارية.
لهذا كلّه، لا معنى لأي مؤتمر، ولا قيمة لأي تسليح، ولا جدوى لأي نقاش عسكري، ما دام لبنان بلا قرار سيادي مستقل. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم، لا تُبنى بالسلاح، بل تُستنزف به. والجيش الذي يُزَجّ في معارك أكبر من دوره وقدرته، لا يُحمى، بل يُستَهلَك.

لبنان لا يُنقَذ بتحويله إلى دولة مواجهة، ولا بتوريطه في صراعات إسرائيلية أو سورية أو إقليمية، ولا بجعله ساحة اختبار للتوازنات الدولية. لبنان يُنقَذ فقط حين يرفض أن يكون أداة، وحين يخرج نهائيًا من منطق المحاور، وحين يستعيد هويته الطبيعية كدولة علم وثقافة وديمقراطية واقتصاد حرّ.

لا خلاص للبنان عبر المؤتمرات، ولا عبر الهبات،ولا عبر تسليحٍ مضبوط السقف ومفروض الوظيفة.

لا خلاص للبنان إلا بإعلان حياده الكامل، الواضح، غير القابل للتأويل أو المساومة.
حياد يحمي الجيش من الانتحار السياسي، ويحمي الدولة من التفكك، ويحمي المجتمع من أن يُدفَع مرة أخرى ثمن حروب الآخرين.
من دون الحياد، يبقى لبنان ساحة.
ومع الحياد، فقط مع الحياد، يمكن أن يعود وطنًا.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير