20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.محمد خليل مصلح يكتب: إسرائيل 2026 من "الذخر الاستراتيجي" إلى "العبء الوظيفي".. قراءة في تآكل الدولة والقيادة

تدخل إسرائيل عام 2026 وهي ترزح تحت وطأة تحولات بنيوية لم تشهدها منذ تأسيسها. لم يعد الصراع محصوراً في "الأمن القومي" بمفهومه الكلاسيكي الموجه للخارج، بل انتقل ليصبح صراعاً على "هوية الدولة".

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٢٩ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
18 مشاهدة
تدخل إسرائيل عام 2026 وهي ترزح تحت وطأة تحولات بنيوية لم تشهدها منذ تأسيسها

تدخل إسرائيل عام 2026 وهي ترزح تحت وطأة تحولات بنيوية لم تشهدها منذ تأسيسها

مقدمة 

حيث لا يوجد ساكن، والصيرورة التاريخية الكيانية تحكم الكيانات السياسية في إطار التحليل الهيغلي، فإن الأشياء تحمل نقيضها في داخلها. وإسرائيل اليوم تكرس هذه النظرية. نتنياهو واليمين -بن غفير وسموتريتش- ومجلس مستوطنات يوشع، يحملون في عقولهم تلك البذرة الأطروحة والنقيض، الصهيونية العملية والاشتراكية العلمانية ونقيضها الثيوقراطية، الدولة العلمانية والنقيض.. الدولة الأساطيرية. 

تدخل إسرائيل عام 2026 وهي ترزح تحت وطأة تحولات بنيوية لم تشهدها منذ تأسيسها. لم يعد الصراع محصوراً في "الأمن القومي" بمفهومه الكلاسيكي الموجه للخارج، بل انتقل ليصبح صراعاً على "هوية الدولة" ومستقبل عقدها الاجتماعي، بما يهدد استقلال المؤسسات وخاصة القضائية. في قلب هذا المشهد، يقف بنيامين نتنياهو كلاعب السيرك الذي يحاول موازنة الكرات المتساقطة، مضحياً بالمكانة الاستراتيجية الدولية لإسرائيل مقابل بقائه الشخصي في السلطة.

أولاً: تسييس الدبلوماسية.. المقامرة الكبرى مع واشنطن

لطالما كانت العلاقة مع الولايات المتحدة هي "الرئة" التي تتنفس منها إسرائيل عسكرياً وسياسياً. إلا أن عام 2026 كشف عن شرخ غير مسبوق. بدأ ذلك لما نتنياهو ذهب إلى الديمقراطيين في عهد باراك أوباما وهاجمهما وضع نفسه أستاذا ومنظرا ومؤدبا لباراك أوباما؛ حيث اعتمد نتنياهو استراتيجية "تسييس التحالف". من خلال تحميل إدارة بايدن السابقة مسؤولية الإخفاقات الميدانية، والانحياز الكامل لمعسكر دونالد ترامب، حول نتنياهو إسرائيل من "قضية إجماع" داخل الكونجرس إلى "قضية استقطاب حزبي".

هذه المقامرة عن نرجسية نتنياهو الحالة النفسية المرضية التي لا تعرف الاعتراف بالخطأ ولا تتحمل مسؤولية الأخطاء وتضحي بكل شيء لتحمي نفسها، وإن آتت ثماراً تكتيكية مؤقتة، إلا أنها زرعت بذور عزلة استراتيجية طويلة الأمد. فالمؤسسات الأمريكية العميقة (Deep State) بدأت تنظر لإسرائيل ليس كـ "أداة وظيفية" تضمن الاستقرار، بل كـ "طرف مشاغب" يجر واشنطن لصراعات إقليمية لا تخدم مصالحها العليا في التفرغ لمنافسة الصين وروسيا.

ثانياً: تفكيك "قدسية العسكر" وإذلال القيادة

شهد عام 2026 نضوج عملية "تفكيك هيبة الجيش الإسرائيلي" التي بدأها نتنياهو واليمين المتطرف. لم يعد رئيس الأركان محصناً من النقد؛ بل أصبح عرضة للإذلال العلني من وزراء "الصهيونية الدينية".

 * الجيش ككبش فداء: نجحت الماكينة الإعلامية لليكود في تحميل "النخبة العسكرية" وحدها مسؤولية الفشل الاستراتيجي، مما أحدث شرخاً بين القاعدة الشعبية اليمينية وبين قيادة الجيش.

 * غياب البديل العسكري: سقوط هيبة الجنرالات في السياسة (أمثال غانتس وآيزنكوت وغالانت) أمام دهاء نتنياهو، أنهى أسطورة "المنقذ ببدلة الجيش"، وترك الساحة السياسية لمديري أزمات يفتقرون للكاريزما.

ثالثاً: "سوسة" اليمين المتطرف ونخر الجسد

بينما ينشغل العالم بمفاوضات وقف النار، تعمل "سوسة" اليمين المتطرف (بن غفير، سموتريتش، ومجالس يوشع) على تغيير وجه الدولة من الداخل.

 * الثيوقراطية الزاحفة: لم تعد مجالس المستوطنات مجرد كتل سكانية، بل أصبحت "مراكز قوى" تفرض أجندتها على الميزانية والقضاء والجيش.

 * تفتيت المجتمع: هجرة العقول العلمانية (التي وصلت لأرقام قياسية في 2025 و2026) تعكس يأساً من قدرة "إسرائيل الليبرالية" على الصمود أمام المد الديني المتزمت، مما يهدد المحرك الاقتصادي والتكنولوجي للدولة.

رابعاً: الفراغ القيادي.. ما بعد عصر "العمالقة"

تشير القراءة المستقبلية لنهاية 2026 إلى أن إسرائيل تتجه نحو "تيه سياسي". الرباعي المرشح لخلافة نتنياهو (بينيت، آيزنكوت، لابيد، غانتس) يفتقر للغراء الأيديولوجي. هم يجتمعون على "كره نتنياهو" ويفترقون في كل ما عدا ذلك. هذا الفراغ سيحول إسرائيل إلى "دولة بلا بوصلة"، عاجزة عن اتخاذ قرارات تاريخية، ورهينة لابتزاز الأحزاب الصغيرة المتطرفة.

خامساً: توازنات إقليمية جديدة

في المقابل، بدأ المحور الإقليمي (السعودية، مصر، تركيا، باكستان) يستوعب حقيقة "ضعف الزعامة" في إسرائيل. التوجه نحو بناء تحالفات أمنية وتكنولوجية مستقلة عن "الوصاية الأمريكية-الإسرائيلية" يعكس نضجاً سياسياً عربياً-إسلامياً يسعى لامتلاك قرار التأثير في واشنطن عبر "لعبة التوازنات" مع الشرق (الصين وروسيا).

الخاتمة

إن "الشطحة" التي قام بها نتنياهو قد تكون الفصل الأخير في إسرائيل التي عرفها العالم كـ "واحة للديمقراطية الغربية" في الشرق الأوسط. نحن الآن أمام كيان مجهد داخلياً، معزول جزئياً، ويقاد برؤوس متعددة متناحرة.

إسرائيل لم تعد تقود أمريكا بأدواتها، بل أصبحت عبئاً يحاول الجميع إدارته بأقل الخسائر، بانتظار لحظة التحول الكبرى التي قد تعيد تعريف دورها الوظيفي في المنطقة برمتها.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د.محمد خليل مصلح يكتب: إسرائيل 2026 من "الذخر الاستراتيجي" إلى "العبء الوظيفي".. قراءة في تآكل الدولة والقيادة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°