4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: من مَنارةِ الشَّرق إلى دولةِ الشَّحادة…سُلطةٌ سَرَقَت أموالَ الناس وتَتسوَّلُ باسمِ الوطن

كانَ لبنان دولةً تُنتِج لا كيانًا يَتسوَّل، وكانَ مَنارةَ الشَّرق لا دفترَ إعانات. وما نعيشه اليوم ليس انهيارًا عابرًا، ولا نتيجةَ ظرفٍ طارئ، بل جريمةٌ مُستمرّة ارتكبتها سُلطةٌ حاكمةٌ فاسدة، عن سابقِ إصرارٍ وتَرَصُّد.

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٩ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
35 مشاهدة
اقتصاد لبنان

اقتصاد لبنان

كانَ لبنان دولةً تُنتِج لا كيانًا يَتسوَّل، وكانَ مَنارةَ الشَّرق لا دفترَ إعانات. وما نعيشه اليوم ليس انهيارًا عابرًا، ولا نتيجةَ ظرفٍ طارئ، بل جريمةٌ مُستمرّة ارتكبتها سُلطةٌ حاكمةٌ فاسدة، عن سابقِ إصرارٍ وتَرَصُّد.

هذه السُّلطة لم تكتفِ بتدمير الاقتصاد، بل صادَرَت أموالَ المُودِعين، واحتجزت جنى أعمارهم، ثم وقفت على أبوابهم تُشَحِّدُ لهم أموالهم المُجمَّدة. سَرَقَت الفوائد من الحسابات، وفرضت رسوماتٍ مصرفيّة شبهَ خُوّات على ودائع الناس، وكأنّ المصارف تحوّلت إلى ميليشياتٍ ماليّة تَفْرِض الإتاوة على أصحاب الحقّ.

أيُّ نظامٍ هذا، يَسرقُ مالَ المواطن مرّتَين: مرّةً حين يُجمِّده، ومرّةً حين يَرُدُّه له بالتقسيط، تقسيطٍ لا يكفي لتأمين طعامه؟ وأيُّ وقاحةٍ سياسيّة أن تُدار الدولة بمنطق السَّلب المُنظَّم، تحت غطاء قوانين وهميّة وقراراتٍ مصرفيّة جائرة؟

وفي قلب هذا الخراب، نشأت طبقةُ أغنياءَ جُدُد، راكموا ثرواتهم من مشاريع الدولة، وسرقات الوزارات، وسمسرات الصفقات العامّة. أغنياء لم يَعرِفوا تعبًا ولا إنتاجًا، لكنّهم يعلّقون على مكاتبهم عبارة: «هذا من فضل ربّي».
لا، هذا من فضل الفساد، ومن دمِ الفقراء، ومن ودائع الناس المنهوبة.

منذ تسعينيّات القرن الماضي وحتّى اليوم، وهذه السُّلطة تُدير لبنان كـ مزرعة: تُفقِرُ الناس، تُجَوِّعُ العسكر، تُذِلُّ الموظّفين، ثم تمدّ يدها إلى الخارج طلبًا للإعانات. مئةُ دولارٍ لعناصر الأجهزة، سِلّةٌ غذائيّة من هنا، فيولٌ من هناك… دولةُ شَحادةٍ بامتياز.

 والأكثرُ إجرامًا أنّ هذه السُّلطة نفسها، بوجوهها الحزبيّة والميليشيويّة، تجلس اليوم لتُناقش ميزانيّة الدولة. أيّ ميزانيّة؟ وأنتم مَن نَهَب، وأفلَس، ودمَّر؟ أنتم لا تُناقشون ميزانيّة وطن، بل تُقنِّنون السَّرقة وتُشرعِنون الانهيار.

ما يجري ليس أزمةً ماليّة، بل سقوطٌ أخلاقيٌّ كامل. سُلطةٌ بلا خجل، بلا محاسبة، وبلا أيّ إحساسٍ بالعار. سُلطةٌ اختارت الشَّحادة بدل السيادة، والارتهان بدل القرار، وإدارة الخراب بدل إنقاذ الوطن.

نعم، المحاسبة واجبة. ويجب أن يُحاكَم كلُّ مَن سرق ودائع الناس، وكلُّ مَن رضي بتجويع شعبه، وكلُّ مَن حوّل الدولة إلى صندوق صدقات.
فهؤلاء لا يَحكمون وطنًا… بل يَنهبونه.

أَلَمْ يَحِنِ الوَقْتُ أَنْ تَنْتَفِضَ كَرَامَتُكَ، أَيُّهَا الشَّعْبُ المَسْكِين، وَتُحاسِبَ مَنْ سَرَقَ عُمْرَكَ؟
إلى مَتَى الصَّمْت؟ أَلَمْ يَحِنِ الوَقْتُ لِمُحاسَبَةِ سُلْطَةٍ نَهَبَتْكَ وَأَذَلَّتْكَ؟
أَلَمْ يَحِنِ الوَقْتُ لِأَنْ يَقُولَ الشَّعْبُ كَفَى؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير