واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم السبت خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة عبر عمليات قتل وقصف واستهداف مباشر للمدنيين، ما أدى إلى استشهاد 12 فلسطينياً في تصعيد جديد يعكس هشاشة الاتفاق. ويشير هذا التطور إلى أن غزة ما تزال ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية رغم الإعلان الرسمي عن التهدئة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدوى الاتفاق وقدرته على حماية المدنيين.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن ما يجري في غزة ليس مجرد حوادث متفرقة، بل يأتي ضمن سياق طويل من الانتهاكات الممنهجة التي رافقت الاتفاق منذ بدء سريانه. ويعكس هذا الواقع فجوة واسعة بين النصوص المعلنة لوقف إطلاق النار وبين التطبيق الفعلي على الأرض داخل غزة.
استهداف المدنيين في غزة
أوضح البيان أن أبرز جرائم اليوم تمثلت في استهداف خيمة للنازحين في محافظة خان يونس جنوب غزة، ما أسفر عن استشهاد سبعة أفراد من عائلة واحدة، بينهم خمسة أطفال وامرأة ومسن. ويكشف هذا المشهد الطبيعة المدنية الخالصة للضحايا، ويؤكد أن غزة ما تزال تواجه سياسة استهداف تتجاوز الاعتبارات العسكرية التقليدية.
ويعكس استهداف النازحين في غزة استمرار نمط من العمليات التي تركز على المدنيين والبنية الاجتماعية، ما يعزز فرضية أن التصعيد يحمل أبعاداً سياسية ونفسية إلى جانب البعد العسكري. ويؤشر هذا الواقع إلى أن غزة أصبحت ساحة اختبار لسياسات الضغط والردع في مرحلة ما بعد الاتفاق.

أرقام الخروقات في غزة.. صورة صادمة لانتهاك الاتفاق
أشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أنه منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وحتى 31 يناير 2026، أي خلال 111 يوماً، ارتكب الاحتلال 1450 خرقاً جسيمًا للاتفاق في غزة. ويشكّل هذا الرقم مؤشراً خطيراً على حجم الانتهاكات، ويعكس تقويضاً متعمداً لبنود وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني الملحق به.
وبيّنت البيانات الرسمية أن الخروقات في غزة توزعت بين 487 حالة إطلاق نار، و71 توغلاً للآليات داخل الأحياء والمناطق السكنية، و679 عملية قصف واستهداف، إضافة إلى 211 حالة نسف لمنازل ومبانٍ مختلفة. ويعكس هذا التوزيع أن غزة تعرضت لأنماط متعددة من العمليات العسكرية، ما يدل على استمرار استراتيجية الضغط الميداني بأشكال مختلفة.
الكلفة البشرية في غزة.. المدنيون في صدارة الضحايا
على الصعيد البشري، أسفرت الانتهاكات في غزة عن استشهاد 524 فلسطينياً، من بينهم 260 طفلاً وامرأة ومسن ويكشف هذا الرقم أن المدنيين في غزة هم الهدف الأساسي لهذه العمليات، وهو ما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
كما ارتقى 96 بالمئة من الشهداء بعيداً عن ما يسمى بالخط الأصفر، ما يدل على اتساع نطاق العمليات خارج مناطق الاشتباك المفترضة. وسجلت غزة 1360 إصابة، غالبيتهم من المدنيين بنسبة 99.2 بالمئة، وجميعهم أصيبوا داخل الأحياء السكنية، إلى جانب اعتقال 50 مواطناً من مناطق مدنية وبعيداً عن الخط المذكور، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف داخل غزة.
فجوة بين الالتزامات والواقع
فيما يتعلق بالوضع الإنساني، كشف البيان أن عدد شاحنات المساعدات والتجارة والوقود التي دخلت غزة بلغ 28,927 شاحنة فقط من أصل 66,600 شاحنة كان من المفترض دخولها. وتكشف هذه الأرقام أن نسبة الالتزام لم تتجاوز 43 بالمئة، ما يعكس خللاً جوهرياً في تنفيذ البنود الإنسانية للاتفاق.
وأوضح البيان أن الشاحنات التي دخلت غزة توزعت بين 16,848 شاحنة مساعدات، و11,297 شاحنة تجارية، و782 شاحنة وقود، في حين لم تتجاوز نسبة إدخال الوقود 2.7 بالمئة من الكمية المتفق عليها. ويشير هذا الواقع إلى أن غزة ما تزال تواجه أزمة إنسانية عميقة تتفاقم بفعل القيود المفروضة على دخول المساعدات.
اتفاق بلا تطبيق
أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال لم يلتزم بجملة من البنود الأساسية في غزة، أبرزها إدخال الأعداد المتفق عليها من الشاحنات، واحترام خطوط الانسحاب، وإدخال مواد صيانة البنية التحتية، والمعدات الثقيلة للدفاع المدني، والمستلزمات الطبية والأدوية. ويعكس هذا الغياب فجوة كبيرة بين الالتزامات المعلنة والتنفيذ الفعلي على الأرض في غزة.
كما أشار البيان إلى عدم فتح معبر رفح، وعدم إدخال مواد الإيواء وتشغيل محطة توليد الكهرباء، فضلاً عن التعدي المتكرر على حدود الخط الأصفر وقضم مساحات إضافية من غزة. ويؤكد هذا الواقع أن غزة تواجه سياسة تضييق ممنهجة تتجاوز البعد العسكري إلى البعد الإنساني والاقتصادي.
غزة بين الاتفاق والابتزاز
شدد البيان على أن استمرار الخروقات في غزة يمثل التفافاً خطيراً على اتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولة لفرض معادلة إنسانية قائمة على الإخضاع والتجويع والابتزاز. ويعكس هذا التحليل أن ما يحدث في غزة ليس مجرد خرق عسكري، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الواقع الميداني والسياسي.
وحمل المكتب الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التدهور الإنساني المتواصل في غزة، وعن الأرواح التي أُزهقت والممتلكات التي دُمّرت خلال فترة كان يفترض أن تشهد تهدئة شاملة ومستدامة. ويشير هذا الاتهام إلى أن غزة أصبحت نموذجاً لانهيار الثقة في الاتفاقات الدولية.

المجتمع الدولي وغزة
دعا المكتب الإعلامي الحكومي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والجهات الراعية والوسطاء والضامنين، إلى جانب المجتمع الدولي والأمم المتحدة، لتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه غزة. ويعكس هذا النداء إدراكاً بأن استمرار الوضع الحالي في غزة لا يمكن فصله عن موقف القوى الدولية.
وطالب البيان بالعمل الجاد لإلزام الاحتلال بتنفيذ كامل التزاماته في غزة، وضمان حماية المدنيين، وتأمين التدفق الفوري والآمن للمساعدات الإنسانية والوقود، وإدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء. ويؤكد هذا الطرح أن مستقبل غزة بات مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من البيانات إلى الإجراءات الفعلية.
غزة ومستقبل الصراع.. ما بعد الخروقات
تشير المعطيات الميدانية والإنسانية إلى أن غزة تقف أمام مرحلة جديدة من التصعيد المقنّع تحت مظلة الاتفاق، حيث تتحول الخروقات المتكررة إلى سياسة شبه ثابتة. ويعكس هذا الواقع أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة لم ينجح في إيقاف النزيف، بل تحول إلى إطار هش يسمح باستمرار العمليات العسكرية بأشكال مختلفة.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو غزة مرشحة لمزيد من التوتر ما لم يحدث تدخل دولي حاسم يفرض تنفيذ الاتفاق بشكل كامل. ويؤكد هذا المشهد أن غزة لم تخرج بعد من دائرة الصراع، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها السياسة مع الميدان والإنسان مع الحسابات العسكرية.










