الشرق الأوسط على فوهة بركان.. قراءة استراتيجية في احتمالات الانفجار الكبير وصراع الهيمنة بين واشنطن وطهران
يقف العالم اليوم عند منعطف تاريخي هو الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة، حيث يتقاطع تراجع الهيمنة الأمريكية مع صعود قوى دولية صاعدة في إطار نظام متعدد الأقطاب يتشكل وسط النيران.
وفي ورقة تقدير موقف استراتيجي معمقة، يرى الدكتور صلاح عبد العاطي أن الحديث عن ضربة أمريكية–إسرائيلية محتملة ضد إيران ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل هو حلقة مركزية في صراع بنيوي يهدف إلى إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط على فوهة بركان.. قراءة استراتيجية في احتمالات الانفجارإن هذا التصعيد، سواء نُفذ أو استُخدم كأداة للابتزاز السياسي، يحمل في طياته تداعيات وجودية تهدد بإشعال جبهات متعددة، واستغلال حالة الانشغال الدولي لتصفية الحقوق الفلسطينية والقضاء على محاور المقاومة، مما يضع الإقليم بأكمله على حافة انفجار قد يغير وجه التاريخ الحديث.
أزمة الردع الأمريكي وصعود "المقامرة" في مطبخ القرار بواشنطن
تعيش الدولة الأمريكية أزمة هيكلية مزدوجة؛ فهي من جهة تعاني من إخفاقات الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان وعجزها عن حسم الصراع في أوكرانيا، ومن جهة أخرى تواجه صعوداً صينياً وروسياً يهدد أحاديتها القطبية.
ويرى الدكتور عبد العاطي أن التفكير في ضرب إيران يبدو محاولة يائسة لإعادة إنتاج الردع بالقوة، في وقت يواجه فيه الرئيس ترامب حصاراً سياسياً وقضائياً داخلياً يدفعه نحو "الهروب للأمام".
ومع ذلك، تصطدم هذه الرغبة بواقع اقتصادي مرير، حيث يتجاوز الدين العام الأمريكي 39 تريليون دولار، مما يجعل أي نزيف مالي جديد في حرب طويلة بمثابة انتحار اقتصادي قد يؤدي إلى فقدان الدولار لمكانته العالمية، خاصة مع رفض دول الخليج التورط المباشر في صراع قد يحرق آبار النفط وممرات التجارة الدولية.
الاستراتيجية الإسرائيلية.. من منطق الدفاع إلى حلم الهيمنة المطلقة و"إسرائيل الكبرى"
يتجاوز المنطق الإسرائيلي الحالي فكرة الدفاع عن النفس إلى مشروع توسعي يهدف لتثبيت إسرائيل كقوة مركزية مهيمنة في المنطقة.
وتسعى تل أبيب، بحسب ورقة الموقف، إلى احتكار التفوق العسكري النوعي ومنع تشكل أي توازن ردع مستقل. الخطر الحقيقي يكمن في سعي الاحتلال لاستغلال هذا التصعيد لتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى" عبر سياسات الإبادة والتهجير في غزة، والاعلان عن ضم الضفة الغربية، مستغلة انشغال العالم بالملف النووي الإيراني.
وترى إسرائيل في ضرب إيران فرصة ذهبية لكسر أذرع المقاومة في لبنان واليمن والعراق، وتحجيم التهديدات البحرية في البحر الأحمر، في محاولة لاستعادة "الصدمة الكبرى" كأداة لضبط الإقليم بعد تآكل قوة الردع التقليدية لديها.
إيران ومحور المقاومة.. الجاهزية للرد وتوسيع ساحات الاشتباك
في المقابل، لا تبدو إيران لقمة سائغة في أي مواجهة عسكرية؛ فهي تمتلك خبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة، وشبكة تحالفات عابرة للحدود تمتد من بيروت إلى صنعاء وبغداد.
وتؤكد القراءة الاستراتيجية أن طهران تمتلك قدرات صاروخية دقيقة وفائقة السرعة قادرة على تحويل أي ضربة محدودة إلى مواجهة شاملة تستهدف العمق الإسرائيلي والممرات المائية الحيوية.
إن الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية تعتمد على "الرد المتدرج" الذي قد يبدأ بإغلاق مضيق هرمز وصولاً إلى هجمات سيبرانية وغير تقليدية، مستندة إلى تماسك مؤسسي وقدرة على التعبئة الوطنية الشاملة، مما يجعل كلفة الهجوم عليها تفوق بكثير أي مكاسب تكتيكية قد يحققها المهاجم في الساعات الأولى.
سيناريوهات الانفجار.. بين الضربة المحدودة وحرب الاستنزاف الشاملة
تتميز الحالة الراهنة بدرجة عالية من عدم اليقين، وتضع الورقة عدة سيناريوهات محتملة؛ أكثرها ترجيحاً في المدى القصير هو "الضربة المحدودة" التي تستهدف منشآت معينة، والتي قد تنزلق سريعاً نحو توسع تدريجي وفقدان للسيطرة.
أما السيناريو الأخطر فهو "الحرب الشاملة" التي ستؤدي إلى شلل في البنية العسكرية الإيرانية ولكنها ستشعل الجبهات من الخليج إلى بلاد الشام، مما يسبب أزمة عميقة في النظام العالمي وانهياراً في أسواق الطاقة.
كما يبقى احتمال "حرب الاستنزاف" قائماً، حيث تتكبد كافة الأطراف خسائر جسيمة وتعم الفوضى الإقليمية الممتدة، مما يسرع التحول نحو تعددية قطبية أكثر حدة ويجعل من التسويات التقليدية أمراً مستحيلاً في ظل غياب الثقة والدمار الواسع.
الخيار الاستراتيجي العربي وضرورة بناء محور مستقل للنجاة
في ظل هذا التلاطم، تبرز الحاجة الملحة لمحور عربي–إسلامي مستقل يرفض الانجرار لمشاريع التفتيت والحروب بالوكالة. وتدعو ورقة تقدير الموقف إلى بناء علاقات قائمة على حسن الجوار وتعزيز التعاون الاقتصادي والإنساني لحماية الأمن القومي العربي.
إن إنهاء سياسات الإقصاء والهيمنة، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها المدخل المركزي لأي استقرار مستدام، هو المخرج الوحيد لتجنب الكارثة.
وتخلص الورقة إلى أن أي مغامرة عسكرية قد تحقق نجاحاً تكتيكياً بسيطاً، لكنها تحمل مخاطر استراتيجية كبرى قد تسرع من أفول القوى التي أشعلتها، وتضع المنطقة أمام واقع جديد يتسم بالاضطراب وعدم الخضوع للإملاءات الخارجية.









