20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

البحر الأحمر ساحة رسائل: كيف تعكس المناورات الأمريكية الإسرائيلية حدود التوافق؟

مع بقاء غزة جرحًا مفتوحًا، وإيران عامل ضغط دائم، فإن أي مناورة في البحر الأحمر لم تعد مجرد تدريب، بل مؤشرًا على مسار إقليمي قابل للاشتعال في أي لحظة.

بقلم: عمرو المصري
٣ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
11 مشاهدة
أجرت المدمرة الصاروخية الموجهة من فئة أرلي بيرك، يو إس إس ديلبرت دي بلاك، مناورة بحرية روتينية مع الفرقاطة من فئة ساعر 5 التابعة للبحرية الإسرائيلية، آي إن إس إيلات، في البحر الأحمر بعد زيارة مقررة مسبقاً للميناء، في 1 فبراير 2026.

أجرت المدمرة الصاروخية الموجهة من فئة أرلي بيرك، يو إس إس ديلبرت دي بلاك، مناورة بحرية روتينية مع الفرقاطة من فئة ساعر 5 التابعة للبحرية الإسرائيلية، آي إن إس إيلات، في البحر الأحمر بعد زيارة مقررة مسبقاً للميناء، في 1 فبراير 2026.

أثار الحديث عن إرجاء أو تأجيل تدريبات بحرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في البحر الأحمر، مطلع فبراير 2026، جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، قبل أن يتضح أن المناورات نُفذت في موعدها المعلن. هذا الجدل لم يكن تقنيًا أو عسكريًا بحتًا، بل عكس مناخًا إقليميًا شديد الحساسية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الخلافات السياسية العميقة بين واشنطن وتل أبيب.

المناورات التي شاركت فيها المدمرة الأمريكية الموجهة بالصواريخ USS Delbert D. Black إلى جانب قطع من سلاح البحرية الإسرائيلية، قُدمت رسميًا بوصفها “تدريبًا روتينيًا” في إطار التعاون مع الأسطول الأمريكي الخامس. غير أن توقيتها، المتزامن مع تصعيد أمريكي لفظي وعسكري ضد إيران، فتح الباب أمام تكهنات عن احتمال تأجيلها لتجنب استفزاز إقليمي واسع.

مجرد تداول فرضية الإرجاء، رغم نفيها عمليًا عبر تنفيذ التدريب، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية لم تعد منسجمة بالكامل. فالتوترات السياسية حول غزة وإيران باتت حاضرة حتى في تفاصيل التنسيق العسكري، ما جعل أي نشاط ميداني خاضعًا لتأويلات تتجاوز طبيعته العملياتية.

البحر الأحمر كساحة استعراض

جاء الجدل حول التدريبات في سياق إقليمي بالغ الاشتعال، حيث يشكل البحر الأحمر أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة والطاقة، وأحد مسارح الاشتباك غير المباشر بفعل هجمات جماعة أنصار الله اليمنية على الملاحة المرتبطة بإسرائيل. هذا الواقع حوّل أي تحرك بحري أمريكي–إسرائيلي إلى رسالة سياسية قبل أن يكون إجراءً عسكريًا.

أجرت البحرية الإسرائيلية ومدمرة أمريكية عملية مشتركة. (مصدر الصورة المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي)
أجرت البحرية الإسرائيلية ومدمرة أمريكية عملية مشتركة. (مصدر الصورة المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي)


 

في المقابل، كانت واشنطن قد كثفت وجودها البحري في المنطقة، رافعة عدد المدمرات وحاملة الطائرات، في رسالة ضغط واضحة على طهران. هذه الخطوات ترافقت مع تحذيرات أمريكية لإيران من القيام بأي مناورات “غير آمنة” في مضيق هرمز، ما عزز الانطباع بأن المنطقة تقف على حافة تصعيد أوسع.

داخل هذا المشهد، بدت إسرائيل أكثر ميلًا لاختبار حدود التصعيد، بينما أظهرت الإدارة الأمريكية حرصًا أكبر على ضبط الإيقاع. هذا التباين هو ما غذّى الشائعات حول تأجيل التدريبات، باعتبارها مؤشرًا على محاولة أمريكية لتخفيف الاحتكاك، حتى لو لم يتحقق الإرجاء فعليًا.

التحالف رغم الخلاف

تنفيذ التدريبات في موعدها حمل رسالة مزدوجة: تأكيد استمرار التحالف العسكري، وفي الوقت نفسه إخفاء الخلافات السياسية تحت غطاء “الروتين”. القيادة المركزية الأمريكية شددت على متانة الشراكة، فيما قدم جيش الاحتلال الإسرائيلي المناورات بوصفها تعاونًا تقليديًا لا يحمل أبعادًا استثنائية.

لكن خلف هذا الخطاب، تتراكم مؤشرات التوتر بين الطرفين. فواشنطن غير راضية عن المسار الإسرائيلي في غزة، لا سيما ما يتعلق بتعطيل المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وتقييد إدخال المساعدات، واستمرار العمليات العسكرية رغم التفاهمات المعلنة. في المقابل، ترى تل أبيب أن الدعم الأمريكي يجب أن يكون غير مشروط، خاصة في ظل ما تعتبره “معركة وجودية”.

هذا التناقض يجعل مناورات البحر الأحمر أقرب إلى عرض قوة رمزي، يهدف إلى طمأنة الداخل الإسرائيلي والحلفاء الإقليميين، أكثر من كونه تعبيرًا عن انسجام استراتيجي كامل. فالعلاقة، وإن بقيت متماسكة عسكريًا، باتت مشوبة بشكوك سياسية عميقة.

غزة في قلب التوتر

انعكاسات هذا التوتر تظهر بوضوح في ملف غزة، حيث يقف اتفاق وقف إطلاق النار على أرضية هشة. فبعد أشهر من حرب أودت بحياة أكثر من سبعين ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023، لم تنتقل العملية السياسية إلى مرحلة تضمن إنهاء الاحتلال أو إعادة الإعمار، بل بقيت محكومة بمنطق السيطرة الأمنية الإسرائيلية.

الإدارة الأمريكية، رغم رعايتها لخطة وقف النار، تجد نفسها متورطة عمليًا في إدارة أزمة إنسانية خانقة، مع استمرار القيود الإسرائيلية على المعابر ومنع عشرات المنظمات الإنسانية من العمل. هذا الواقع يضع واشنطن في موقع الشريك غير المعلن في إدارة غزة، ما يفاقم الضغوط الدولية عليها.

التوتر الأمريكي–الإسرائيلي، في هذا السياق، يهدد بتقويض أي أفق سياسي. فإسرائيل قد تستغل حاجتها للدعم الأمريكي في مواجهة إيران لتشديد قبضتها على غزة، بينما تكتفي واشنطن بمحاولات احتواء شكلية، خشية انفجار أوسع قد يمتد إلى البحر الأحمر نفسه.

إيران ومعادلة الردع

في الملف الإيراني، تكشف التدريبات البحرية عن تباين استراتيجي لا يقل خطورة. إسرائيل تضغط باتجاه عمل عسكري أمريكي مباشر ضد إيران، معتبرة أن الوقت يعمل لصالح طهران في إعادة بناء برنامجها النووي بعد ضربات 2025. في المقابل، يفضّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمع بين التهديد والتفاوض، مع إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا.

مناورات البحر الأحمر، قرب مسارح نفوذ إيرانية غير مباشرة، تحمل رسالة ردع واضحة، لكنها في الوقت ذاته تبرز حدود التنسيق السياسي. فبينما ترى تل أبيب أن استعراض القوة يجب أن يتبعه فعل، تستخدم واشنطن هذه التحركات كورقة ضغط تفاوضي لا أكثر.

هذا الخلاف يرفع منسوب المخاطر. فإيران قد تفسر التردد الأمريكي على أنه ضعف، فترد عبر حلفائها في اليمن أو لبنان، بينما قد تجد إسرائيل نفسها مدفوعة لعمل أحادي، ما يهدد بجر المنطقة إلى مواجهة شاملة تتجاوز حسابات البحر الأحمر.

دلالات استراتيجية أوسع

إن تنفيذ التدريبات البحرية لا يمكن فصله عن صورة أوسع لتحالف يتعرض لاختبارات قاسية. فالتعاون العسكري ما زال قائمًا، لكنه لم يعد كافيًا لإخفاء التباينات السياسية حول القضايا الجوهرية، من غزة إلى إيران.

البحر الأحمر، بوصفه شريانًا عالميًا للطاقة والتجارة، يتحول تدريجيًا إلى مسرح رسائل متبادلة بين القوى الكبرى. وأي خلل في التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية لملء الفراغ أو استغلال التناقضات، بما يهدد الاستقرار الدولي.

تؤكد هذه التطورات أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي يدخل مرحلة جديدة: شراكة عسكرية مستمرة، لكنها محاطة بتوترات سياسية عميقة. ومع بقاء غزة جرحًا مفتوحًا، وإيران عامل ضغط دائم، فإن أي مناورة في البحر الأحمر لم تعد مجرد تدريب، بل مؤشرًا على مسار إقليمي قابل للاشتعال في أي لحظة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

البحر الأحمر ساحة رسائل: كيف تعكس المناورات الأمريكية الإسرائيلية حدود التوافق؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°