انطلقت صباح اليوم الجمعة في العاصمة العُمانية مسقط جولة جديدة من المحادثات النووية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، تطغى عليه التهديدات العسكرية الأمريكية العلنية لطهران في حال فشل المسار التفاوضي. ويرأس الوفد الأمريكي مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، فيما يترأس الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، في مواجهة تفاوضية تُختبر فيها حدود الدبلوماسية تحت الضغط.
وتأتي هذه الجولة باعتبارها أول مفاوضات مباشرة من نوعها منذ الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع نووية إيرانية في يونيو الماضي، خلال حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت عقب هجوم إسرائيلي واسع على إيران. وهو ما يمنح محادثات مسقط طابعًا استثنائيًا، بوصفها محاولة لإعادة فتح قنوات التفاهم بعد انتقال الصراع إلى مستوى عسكري مباشر.
محادثات مسقط وإرث جولات متعثرة
سبق للبلدين أن خاضا جولات تفاوضية خلال فصل الربيع، لا سيما في سلطنة عُمان التي لعبت دور الوسيط التقليدي بين الطرفين، غير أن تلك الجولات جُمّدت فجأة عقب الهجوم الإسرائيلي المباغت على إيران، والذي جاء عشية إحدى جولات التفاوض. وقد شكّل ذلك الهجوم نقطة كسر لمسار دبلوماسي هش، كان يعاني أساسًا من تعثرات بنيوية.
وتحديدًا، اصطدمت المفاوضات السابقة بعقدة تخصيب اليورانيوم، حيث أصرت طهران على حقها في التخصيب داخل أراضيها، في مقابل مطالب أمريكية بفرض قيود صارمة أو وقف كامل لهذا النشاط. هذا الخلاف ظل العائق الأبرز أمام أي تقدم حقيقي، وعاد ليطفو مجددًا في خلفية محادثات مسقط الحالية.
سياق داخلي ضاغط
تجري هذه المباحثات في ظل ظروف داخلية حساسة تعيشها إيران، بعد أقل من شهر على موجة احتجاجات واسعة اندلعت على خلفية الأوضاع المعيشية والاقتصادية. وقد استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلك الاحتجاجات سابقًا لتصعيد لهجته ضد طهران، ملوّحًا بعمل عسكري بذريعة ما وصفه بـ"قمع المتظاهرين"، بل وذهب إلى حد توجيه رسائل مباشرة للمحتجين بأن "المساعدة في الطريق".
غير أن الخطاب الأمريكي شهد في الأيام الأخيرة تحولًا نسبيًا، إذ أعاد ترامب تركيزه على كبح البرنامج النووي الإيراني باعتباره أولوية استراتيجية، في محاولة لإعادة ضبط أهداف الضغط الأمريكي ضمن إطار يمكن تسويقه دبلوماسيًا، دون التخلي عن خيار القوة.
معركة المكان وجدول الأعمال
لم تخلُ هذه الجولة من الخلافات حتى قبل انطلاقها، إذ دار جدل واضح حول مكان انعقادها ومحاورها. فقد أصرت طهران على نقل المفاوضات من إسطنبول إلى مسقط، معتبرة أن الإطار العُماني أكثر ملاءمة لحصر النقاش في الملف النووي، وهو ما قوبل في البداية برفض أمريكي قبل أن توافق واشنطن لاحقًا، عقب ضغوط مارستها دول عربية وإسلامية خشية انفجار المواجهة.
وحتى الآن، لم يُكشف رسميًا عن جدول أعمال المحادثات بصورة دقيقة. ففي حين تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعم طهران لحلفائها في المنطقة، تصرّ إيران على أن هذه الملفات "خطوط حمراء" وخارج إطار أي تفاوض. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، نقلًا عن مسؤولين إيرانيين، فإن المباحثات قد تلامس عمليًا هذه القضايا، لكنها ستركّز جوهريًا على الملف النووي لتقليص هوة الخلاف.
رسائل متبادلة قبل الجلسات
عشية انطلاق المحادثات، كثّف الطرفان تبادل الرسائل السياسية والإعلامية. فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الرئيس دونالد ترامب يترقب نتائج محادثات عُمان لتحديد ما إذا كان التوصل إلى اتفاق ممكنًا، مشددة على أن الدبلوماسية ليست الخيار الوحيد المتاح أمام واشنطن. وأضافت أن ترامب، بوصفه القائد الأعلى "لأقوى جيش في تاريخ العالم"، يمتلك بدائل أخرى إذا فشلت المفاوضات.
بدوره، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى "الاحترام المتبادل". وكتب عراقجي الذي يمثل بلاده في المحادثات، على منصة إكس "إيران تدخل الدبلوماسية بعينين مفتوحتين وذاكرة راسخة للعام الماضي"، مؤكداً أنه "يجب الإيفاء بالتعهدات. المساواة والاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة ليست كلمات فارغة، بل شروط لا بدّ منها والأسس لاتفاق دائم".
Iran enters diplomacy with open eyes and a steady memory of the past year.
— Seyed Abbas Araghchi (@araghchi) February 6, 2026
We engage in good faith and stand firm on our rights.
Commitments need to be honored. Equal standing, mutual respect and mutual interest are not rhetoric—they are a must and the pillars of a durable…
في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في منشور على منصة إكس، أن مشاركة طهران في المحادثات تهدف إلى التوصل إلى "تفاهم عادل ومقبول للطرفين" بشأن القضية النووية. وشدد على أن الحكومة الإيرانية ترى في المسار الدبلوماسي فرصة يجب اغتنامها للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، معربًا عن أمله في أن يتحلى الجانب الأمريكي بالمسؤولية والواقعية والجدية.
تصعيد ميداني موازٍ
بالتوازي مع انطلاق المسار التفاوضي، استمر التصعيد العسكري كأداة ضغط متبادلة. فقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عشية المحادثات، بأن إيران تفاوض لأنها تخشى التعرض لهجمات عسكرية، كاشفًا أن أسطولًا أمريكيًا كبيرًا يتجه حاليًا إلى المنطقة، في رسالة ردع مباشرة لطهران.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني، الخميس، نشر صاروخ "خرمشهر 4" الباليستي متوسط المدى، وفق ما أوردته وكالة فارس. ووصفت الوكالة الصاروخ بأنه الأكثر تطورًا في الترسانة الإيرانية، بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر، وقدرة على حمل أكثر من طن من المتفجرات، في استعراض واضح للقوة يهدف إلى تثبيت معادلة الردع أثناء التفاوض.
تفاوض على حافة الانفجار
تعكس محادثات مسقط مشهدًا تفاوضيًا بالغ الهشاشة، يجمع بين الرغبة المعلنة في التسوية والتمسك المتبادل بأدوات الضغط القصوى. فهي ليست مجرد جولة تقنية حول تفاصيل نووية، بل اختبار سياسي وأمني لإمكانية احتواء صراع إقليمي مفتوح، باتت كلفته تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة لتطال أمن المنطقة بأسرها.
وفي ظل هذا التداخل بين الدبلوماسية والتهديد العسكري، تبقى محادثات مسقط معلّقة بين احتمال فتح نافذة تفاهم مؤقت، أو الانزلاق مجددًا نحو مواجهة أوسع، قد تعيد رسم خرائط الاشتباك في الشرق الأوسط على نحو أكثر خطورة.










