22 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: رمضان في العراق.. تقوده المظاهر وتدفع ثمنه النساء

بين "طاسة الشوربة" التي كانت تدور بين الجيران في أزقة بغداد القديمة، وبين "سفرة الإنستغرام" المزينة بأوانٍ ذهبية وإضاءة خافتة،

بقلم: سارة جاسم
٧ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
26 مشاهدة
رمضان في العراق.. تقوده المظاهر وتدفع ثمنه النساء

رمضان في العراق.. تقوده المظاهر وتدفع ثمنه النساء

بين "طاسة الشوربة" التي كانت تدور بين الجيران في أزقة بغداد القديمة، وبين "سفرة الإنستغرام" المزينة بأوانٍ ذهبية وإضاءة خافتة، رحلة طويلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العراق. فلم يعد رمضان مجرد وقت للصوم والسكينة، بل تحول إلى "ماراثون" استهلاكي محموم، تجد فيه المرأة العراقية نفسها "البطلة" التي تتحمل العبء الأكبر؛ مادياً، وجسدياً، ونفسياً.

 

عصر "المخور" والقفطان

 

أصبح اللباس هوية من هويات شهر رمضان؛ قديماً كان لباس المرأة في رمضان يتسم بالبساطة والأسلوب التقليدي، بزيٍّ مريح يساعدها على الحركة بين حرارة المطبخ وأوقات العبادة، أما اليوم، فقد اقتحم "المخور" (الأثواب المطرزة) والقفاطين المغربية والدراريع الفاخرة خزانة المرأة العراقية كضرورة لا تقبل النقاش وبأسعار متفاوتة.

 

لم يعد "المخور" مجرد قطعة قماش، بل أصبح تصريحاً بالحالة الاجتماعية. ومع ظهور "مجموعات رمضان" التي يروج لها في مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المرأة مطالبة باقتناء أكثر من قطعة لمواكبة العزائم، مما أضاف بنداً مالياً ثقيلاً على ميزانية العائلة. وغالباً ما تضطر المرأة، سواء كانت عاملة أو ربة بيت، لاقتطاع هذه المبالغ من ضروريات أخرى لتجنب الشعور بـ "الفجوة الطبقية" أو الفرق الاجتماعي.

 

سباق المسلسلات والاستلاب الوقتي

 

ومع مدفع الإفطار، يبدأ صراع من نوع آخر: "حرب المسلسلات". لم يعد التلفزيون وسيلة ترفيه بسيطة، بل أصبح "صناعة" تفرض أنماط حياة معينة. المسلسلات التي تعرض حياة البذخ والقصور تخلق حالة من "عدم الرضا" غير الواعي، وتزيد من رغبة النساء في محاكاة تلك الديكورات أو الأنماط الاستهلاكية.

 

وهذا "السباق الدرامي" يسرق من المرأة وقتها الثمين الذي كان مخصصاً للراحة أو العبادة، ويحولها إلى متلقية سلبية في دوامة من القصص التي لا تنتهي، مما يزيد من الضغط النفسي عليها لمواكبة أحاديث "الترند" في الأمسيات والعزومات.

 

وفي الماضي، كانت أمسيات رمضان عراقية بامتياز، تتأرجح بين العبادة ولعبة "المحيبس" في المقاهي الشعبية للرجال، وتجمعات نسائية بسيطة في البيوت بين الجيران والأقارب، والآن، انتقلت "الأمسية" إلى المطاعم الفاخرة والكافيهات التي تتسابق في تقديم "بوفيهات سحور" بأسعار تنسف الراتب بلمح البصر.

 

وهذا التحول حوّل الأمسية الرمضانية من فرصة للترابط الاجتماعي إلى "واجهة عرض". المرأة هنا هي من يقع عليها عبء التنسيق، واختيار المكان "الأكثر أناقة" للتصوير، وتجهيز الأطفال، وضمان أن تظهر العائلة بمظهر "المثالية المادية"، وهو جهد ينهك الأعصاب والجيوب على حد سواء.

 

الماراثون المنسي: دوام الدائرة و"شفت" المطبخ

 

خلف هذه الصور الأنيقة، تقبع حقيقة مجهدة للمرأة العراقية، وخاصة الموظفة. فهي تبدأ يومها بـ "دوام" المؤسسة، لتخرج منه وتسابق الزمن للوصول إلى المنزل لتبدأ "الدوام الثاني" في المطبخ، وفي تلك الساعات الفاصلة قبل الأذان، تعمل المرأة كآلة لا تهدأ وسط حرارة القدور وضغط "المنبه" الذي يقترب من الصفر.

 

ولا ينتهي العبء مع قول "هنيئاً" ،فبينما يسترخي الجميع لمتابعة المسلسلات أو الخروج للأمسيات، تبدأ هي "معركة المواعين" وترتيب فوضى السفرة. هذا الجهد العضلي الذي يستنزف الظهر واليدين لا يتوقف، فبمجرد الانتهاء من تنظيف المطبخ، يبدأ التفكير والتحضير للسحور. هي حلقة مفرغة من العمل تجعل من رمضان بالنسبة للمرأة شهراً للإرهاق البدني المزمن، بدلاً من أن يكون محطة للاستراحة الروحية.

 

المرأة العراقية: وزيرة المالية المنهكة

 

بين غلاء أسعار المواد الغذائية في الأسواق العراقية التي تشهد طفرة "جنونية" قبل الشهر الفضيل، وبين متطلبات "المظهر الرمزي" (ملابس، ديكور، عزائم فاخرة)، تجد المرأة العراقية نفسها في دور "وزيرة المالية" التي تحاول اجتراح المعجزات، وهي المطالبة بإعداد سفرة "تبيض الوجه" أمام الضيوف بميزانية قد لا تكفي لنصف الشهر، وهي المطالبة بالبقاء أنيقة وهادئة رغم ساعات العمل الطويلة والجهد البدني المضاعف.

 

إن تحول رمضان في العراق إلى "عبء اقتصادي" وجسدي هو نتيجة طبيعية لسيطرة ثقافة الاستهلاك على القيم الروحية. لقد بات من الضروري أن تعيد العائلة العراقية، والمرأة خصوصاً، تعريف "الاحتفاء" بهذا الشهر.

 

رمضان ليس "مخوراً" مطرزاً بالذهب، ولا "سفرة" تمتد لمترين، بل هو تلك اللحظة من الامتنان والبساطة التي كانت تجعل الناس تسترخي وتجتمع في وقت واحد، وتتبادل النعم بين الجيرة والأقارب دون تكلفة، ومبالغة، أو استنزاف لمن هنّ عماد البيت وقوامه.

 

 

الكلمات المفتاحية:#رمضان#العراق#النساء

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال