لم تعد تحركات وزير الخارجية الفرنسي جان بارو في الشرق الأوسط تُقرأ بوصفها دبلوماسية، بل باتت تُصنَّف بوضوح ضمن محاولات التعطيل السياسي المتعمّد لمسارات الاستقرار. فالجولة الإقليمية التي يقوم بها الرجل لا تستهدف دعم أي تسوية، بل تسعى بصورة مكشوفة إلى ضرب أحد أكثر الاتفاقات حساسية في المشرق: الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و«قسد».
ووفق ما أوردته صحيفة لوموند الفرنسية، فإن تحرّك باريس لا يهدف إلى تحسين شروط الاتفاق أو ضمان استدامته، بل إلى نقضه أو تفريغه من مضمونه، عبر الدفع نحو صيغة بديلة تمنح حلفاء فرنسا الوقت الكافي لإعادة التموضع وتخريب ما تحقق ميدانيًا وسياسيًا. هذه ليست وساطة، بل تدخل مباشر لإبقاء الصراع مفتوحًا.
الاتفاق الذي صاغه مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توم باراك، خلال لقاءات أربيل، لم يكن صفقة عابرة ولا مناورة ظرفية، بل نتاج توازنات إقليمية دقيقة شاركت فيها واشنطن وأنقرة ودمشق وقوى محلية، واضعًا هدفًا واضحًا: إنهاء حالة الاشتباك المزمن في شمال شرق سوريا، لا إعادة إنتاجها بأدوات جديدة. غير أن باريس، التي ترفض الاعتراف بتراجع وزنها الحقيقي في المنطقة، تعاملت مع الاتفاق بذهنية تخريبية صريحة: إن لم تكن صاحبة القرار، فلتكن أداة التعطيل.
سياسة التعطيل كبديل عن النفوذ
المشكلة لم تعد مرتبطة بشخص جان بارو، بل بطبيعة الدور الفرنسي نفسه في الشرق الأوسط. فرنسا لم تعد لاعبًا قادرًا على فرض حلول، لكنها تحاول التعويض عن ذلك عبر تعطيل حلول الآخرين. لا تمتلك أدوات الحسم، لكنها تُتقن إدارة الفوضى السياسية. لا تقود المسارات، لكنها تتقن إرباكها.
هذا السلوك يعكس ذهنية استعمارية قديمة لم تستوعب أن زمن الوصاية انتهى، وأن المنطقة لم تعد ساحة مفتوحة لمغامرات القوى المتوسطة الباحثة عن دور أكبر من حجمها. باريس اليوم تتصرّف بعقلية «إما أن أكون في الصورة، أو أفسد الصورة»، حتى لو كان الثمن إطالة أمد النزاع وتعقيد فرص التسوية.
الورقة الكردية.. آخر أدوات الابتزاز
تعرف فرنسا أن أي اتفاق سوري–محلي يُنجز برعاية أمريكية–إقليمية من دونها يعني عمليًا إخراجها من ملف استثمرت فيه أمنيًا وسياسيًا لسنوات. كما تدرك أن خسارة الورقة الكردية في سوريا ستُسقط واحدة من آخر أدوات الضغط التي استخدمتها للمناورة في ملفات أخرى، من العراق إلى شرق المتوسط.
لذلك، فإن فشل بارو في فرض مسار بديل لا يعني انسحاب باريس، بل انتقالها إلى سلوك أكثر خطورة: التحريض، والضغط الإعلامي، ومحاولة اللعب على التناقضات الدولية، في مسعى يائس لإعادة تقديم فرنسا كلاعب لا غنى عنه، ولو على حساب الاستقرار.
نهاية الوهم
ما ترفض باريس الإقرار به هو أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة تُدار فيها التوازنات بمن يملك القوة والتأثير الحقيقي على الأرض، لا بمن يرفع الصوت أعلى في المؤتمرات. فرنسا اليوم ليست لاعبًا مقرِّرًا في سوريا، ولا في إيران، ولا في الخليج، ودورها بات هامشيًا مهما حاولت تضخيمه سياسيًا وإعلاميًا.
لقد انتهى زمن الحنين الاستعماري بلا رجعة. وما نشهده اليوم ليس إقصاءً لفرنسا، بل نتيجة طبيعية لسلوك سياسي يرفض قراءة الواقع كما هو. فالمنطقة لم تعد ساحة لتجارب القوى المتراجعة، ولا تحتمل لاعبين يسيئون تقدير أحجامهم، أو يصرّون على إدارة الصراعات بعقلية تجاوزها الزمن.
في الشرق الأوسط الجديد، من لا يملك قرارًا حقيقيًا، لن يُسمح له بتخريب قرارات الآخرين.










