19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.ليون سيوفي يكتب: هل يَبقى الوَطَن أم نُوَدِّعُهُ بِصَمت؟ قراءة في مَصير لبنان بين الانهيار والأمَل

لم يَعُدِ السُّؤالُ عن مَصير لبنان مُجرَّدَ تَساؤلٍ عابِر، ولا هاجساً عاطفياً مؤقّتاً، بل تَحوَّلَ إلى قَلَقٍ وَطَنيٍّ عَميق يَسكن وعيَ اللُّبنانيّين في الدّاخل والاغتراب،

بقلم: د. ليون سيوفي
٨ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
9 مشاهدة
قراءة في مَصير لبنان بين الانهيار والأمَل

قراءة في مَصير لبنان بين الانهيار والأمَل

لم يَعُدِ السُّؤالُ عن مَصير لبنان مُجرَّدَ تَساؤلٍ عابِر، ولا هاجساً عاطفياً مؤقّتاً، بل تَحوَّلَ إلى قَلَقٍ وَطَنيٍّ عَميق يَسكن وعيَ اللُّبنانيّين في الدّاخل والاغتراب، ونحن اليوم أمام لَحظةٍ تاريخيّةٍ دَقيقة، تختبر مَعنى الدَّولة، وقيمةَ الانتماء، وحُدودَ الصَّبر، وجَدوى البقاء. فلبنان لا يعيش أَزمةً ظرفيّة، بل يمرّ بانهيارٍ مُتراكِمٍ أصاب مُؤسَّساته، واقتصاده، وإدارته، ونِظامه السّياسي، وضرب ثِقةَ المواطن بدولته، وهي أخطرُ ضَربةٍ يمكن أن يتلقّاها أيُّ كيان.

 

خلال السّنوات الماضية، تآكَلَتِ الدَّولةُ بصَمتٍ مُريب...ضَعُفَتِ الإدارة، وتراجَعَت هيبةُ القانون، وغابت المُحاسبة، واستشرى الفسادُ حتّى صار جُزءاً من البُنية الحاكمة. وفي المُقابل، انهارَ الاقتصاد، وتهاوَت العُملة، وتقلَّصَتِ الطَّبقةُ الوُسطى، وهاجَرَتِ الكفاءات، فتحوَّل الحُلمُ الوَطنيّ إلى مشروعِ نَجاةٍ فرديّ. وفي قلب هذا المشهد، بقي الانقسامُ الطّائفيّ والسّياسيّ يتحكَّم بالمصير العام، ويُقيِّد القرارَ الوَطنيَّ بحسابات الخارج، فيما تَتأرجَح بيروت بين ذاكرةِ المجد وواقعِ الإنهاك.

 

ورغم كُلّ هذا الانهيار، لم يَسقُط لبنان نهائياً، ولم يتحوَّل إلى أرضٍ مهجورة، ولم يُمحَ من الوجدان. بقي قائماً لأنّ المجتمعَ اللّبنانيَّ ما زال يمتلك قدرةً استثنائيّةً على التكيُّف، ولأنّ الاغترابَ يُشكِّل شبكةَ أمانٍ اقتصاديّةً وإنسانيّة، ولأنّ موقعَه في الإقليم يمنع انهيارَه الكامل بسهولة، ولأنّ ذاكرتَه التّاريخيّة تحمل خبرةً طويلة في تجاوز الحروب والانقسامات. غير أنّ مُجرَّدَ البقاء لم يَعُد كافياً، فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على الصّمود فقط، بل بقدرتها على النُّهوض وبناء المستقبل.

 

الخطرُ الحقيقيّ اليوم لا يَكمن في اختفاء لبنان من الخريطة، بل في تحوُّلِه إلى دولةٍ فاشلةٍ دائمة، موجودةٍ بالاسم فقط، بلا سيادةٍ فعليّة، وبلا اقتصادٍ مُنتِج، وبلا عدالةٍ اجتماعيّة، وبلا أفقٍ للشباب. دولةٌ يتعايش أهلُها مع الانهيار كأنّه قَدَر، ومع الفساد كأنّه واقعٌ لا يُغيَّر، ومع الهجرة كأنّها الحلُّ الوحيد. هذا المسارُ أخطرُ من الحرب، لأنّه يقتل الوطن ببطء، من الداخل، من دون ضجيجٍ ولا مواجهة.

 

ومع ذلك، فإنّ الإنقاذ ما زال ممكناً، لكنّه لم يَعُد سهلاً ولا سريعاً. إنقاذُ لبنان يقتضي تحوُّلاً عميقاً في الثّقافة السّياسيّة، من الطّائفيّة إلى المُواطَنة، ومن الزبائنيّة إلى الحقوق، ومن الارتهان إلى الاستقلال. ويقتضي طبقةً سياسيّةً جديدةً بعقلٍ مختلف، ومشروعاً وطنيّاً جامعاً يُعيد تعريف الدَّولة ودورها ووظيفتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويقتضي ضغطاً شعبيّاً واعياً ومُنظَّماً وطويلَ النَّفَس، لا انفجاراتٍ موسميّة ولا غضباً عشوائيّاً.

 

لبنان اليوم يقف أمام ثلاثة مساراتٍ واضحة: إمّا استمرارُ الانحدار البطيء الذي يستنزف الإنسان والدَّولة معاً، وإمّا انفجارٌ كبير يُدمِّر ما تبقّى من مقوّمات الحياة، وإمّا نهوضٌ تدريجيٌّ صعبٌ ومُكلف، لكنّه وحده القادر على حماية الكيان واستعادة الكرامة والسّيادة. المسارُ الثّالث هو الأصعب، لأنّه يتطلّب وعياً، وصبراً، وتضحيات، وإرادةَ تغييرٍ حقيقيّة، لكنّه الطّريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.

 

الخلاصةُ الصّادقة أنّ لبنان لم يُخسَر بعد، لكنّه ليس في مأمن. الأوطان لا تموت فجأة، بل تموت عندما يتخلّى أبناؤها عنها في عقولهم وضمائرهم، قبل أن يتخلّوا عنها في واقعهم وحياتهم. وطالما هناك من يسأل بقلقٍ وحرقة:..هل يبقى لبنان؟ فهذا يعني أنّ الوطن ما زال حيّاً في الوعي والوجدان، لكنّ الوقت ليس مفتوحاً، والمسؤوليّة باتت على الجميع.

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال