قالت د. تمارا حداد، الكاتبة والباحثة السياسية، إن قرارات الحكومة الإسرائيلية في تكريس الضم الضفة الغربية تقرأ بأكثر من رسالة. وحذرت من أن المشروع الأيديولوجي لهذه الحكومة الائتلافية انتقل إلى المشروع التنفيذي وفرض وقائع جديدة في ضم الضفة الغربية. مضيفة أن إعلان السيادة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية لا يأتي من منطلق أيديولوجي فقط، وإنما من منطلق سياسيا يقرأ في أكثر من سياق.
وأوضحت "حداد"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن هذه السياقات تتنوع بين سياق يشير إلى دفن تشكيل الدولة الفلسطينية، وآخر يدلل على تصفية القضية الفلسطينية. ولفتت إلى أن السياق الثالث يأتي كحرب على الوجود الفلسطيني وتعزيز فكرة تهجير الشعب الفلسطيني من أرض الضفة الغربية بطريقة التضييق الأمني والاقتصادي والسياسي. ونوهت أن السياق الرابع للقرارات هو كونها رسالة داخلية انتخابية بامتياز.
وأقرت الحكومة الإسرائيلية، عبر المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، حزمة قرارات وصفت بالأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، تمس بصورة مباشرة مدينة الخليل ومحيطها. وتشمل هذه القرارات نقل صلاحيات التخطيط والبناء، وفتح سجلات الأراضي، وتسهيل إجراءات شراء الأراضي لصالح المستوطنين، بما يعني عمليًا إسقاط بروتوكول الخليل الموقع عام 1997 وتجاوز ترتيبات أوسلو المتعلقة بتقسيم الصلاحيات والمناطق.
ضم الضفة رسالة للداخل
وأكدت "حداد" أن آلية نقل صلاحيات البناء في الخليل وتكريس الضم الزاحف يخاطبان الجمهور اليميني والمستوطنين بشكل مباشر. ونبهت إلى أن نتنياهو الذي تشير استطلاعات الرأي إلى تآكل شعبيته وحتمال عدم فوزه في الانتخابات القادمة، فتأتي القرارات الأخيرة لتعيد تموضعه باعتباره حارس المشروع الاستطاني ويغلق الباب أمام أي منافسة أخرى من قبل المعارضة الإسرائيلية.

وأشارت إلى أن نتنياهو يستثمر زيارته إلى واشنطن لاختبار السقف الأمريكي، عبر المناورة السياسية والإعلان عن قرارات ضم متسارعة، سواء تلك التي صادق عليها الكابينيت أو مشاريع القوانين التي يقرها الكنيست، والتي تهدف إلى ضم الضفة الغربية بالتوازي مع استمرار العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وأضافت أن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى التحدي المباشر للإدارة الأمريكية بقدر ما تمثل “جس نبض” لمعرفة ما إذا كان الرئيس الأمريكي سيعارض فعليًا ضم الضفة الغربية، أم سيواصل سياسة غضّ الطرف عن واقع بات مفروضًا. وحذرت من أنه في حال غياب ردع أمريكي حقيقي، فإن هذه الوقائع ستتحول إلى سياسة دائمة واستراتيجية ثابتة لضم الضفة الغربية.
إجراء بيروقراطي
وأكدت حداد أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو تحول الضم من فعل سياسي معلن إلى إجراءات إدارية وأمنية وعسكرية هادئة ومتسارعة. وأوضحت أن الهدف الأساسي يتمثل في إعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية باعتبارها أراضي دولة إسرائيل، وليس أراضي محتلة أو ملفًا سياسيًا خاضعًا للتفاوض.
وشددت على أن الضم لم يعد إعلانًا صاخبًا، بل أصبح عملية بيروقراطية منظمة تشمل نقل الصلاحيات، وتغيير خرائط التنظيم، وتوسيع مجالس التخطيط والبناء الاستيطانية، بما يجعل هذا النموذج أكثر صعوبة على مستوى المواجهة الدولية، في ظل ضعف واضح في موقف المجتمع الدولي وغياب أدوات الردع.
الخليل نموذجا
وحذرت حداد من التداعيات الميدانية لهذه القرارات، معتبرة أن ما يجري يكشف عن خطة إسرائيلية ممنهجة، تتخذ من الخليل نقطة ارتكاز خطيرة. وأكدت أن الخليل لم تعد مجرد مدينة مستهدفة، بل أصبحت نموذجًا لما وصفته بـ“الضم داخل الضم”، حيث يعزز نقل صلاحيات البناء التقسيم القسري للمدينة، ويكرس واقع الفصل والسيطرة الاستيطانية في قلب كتلة سكانية فلسطينية كثيفة.
اقرأ ايضا: د.صلاح عبدالعاطي: إسرائيل انتقلت إلى فرض سيادة فعلية وشاملة على الضفة
وأضافت أن هذا الواقع ينذر بإشكاليات سياسية وأمنية مستقبلية عميقة بين الفلسطينيين والمستوطنين، ويغلق ما تبقى من التواصل الجغرافي في الضفة الغربية، محولًا الحديث عن حل الدولتين إلى شعار بلا مضمون تطبيقي.
وفاة أوسلو
وفي ما يتعلق باتفاق أوسلو، قالت حداد إن الاتفاق انتهى فعليًا منذ زمن، لكن ما يجري اليوم يمثل إعلان وفاته السياسية الكاملة على الأرض. وأكدت أن إسرائيل لم تلتزم لا بروح الاتفاق ولا بنصوصه، وأصبحت تدير مناطق جديدة باعتبارها أراضي إسرائيلية بحكم الأمر الواقع، مع توقع أن يمتد هذا النموذج مستقبلًا ليشمل حتى المناطق المصنفة (أ).
وأضافت أن الفلسطينيين يقفون اليوم أمام مرحلة ما بعد أوسلو دون وجود إطار بديل معلن، وهو ما وصفته بأخطر السيناريوهات، لأنه يفتح الباب أمام ضم دائم مقنّع دون أفق سياسي واضح.
مطلوب مواجهة شاملة
ودعت حداد السلطة الفلسطينية إلى الخروج من منطق إدارة الأزمة إلى منطق المواجهة السياسية والقانونية، مؤكدة أن إصدار البيانات لم يعد كافيًا. وشددت على ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ونقل الصراع إلى ساحات القانون الدولي بشكل منهجي ومستدام، لا بوصفه رد فعل مؤقتًا.
اقرأ أيضا: الخليل تحت الضم الصامت: قرارات الكابينيت تُسقط بروتوكول 1997 وتسرّع سيادة الاحتلال
كما أكدت أهمية بناء جبهة فلسطينية موحدة، معتبرة أن الانقسام يمثل ورقة رابحة لإسرائيل، وأن أي مواجهة جدية تستلزم توحيد الموقف السياسي والبرنامج الوطني، إلى جانب تدويل ملف الخليل والمواقع الأثرية، وجعل قرارات الكابينيت عنوانًا لحملة دولية مستمرة.
مسؤولية عربية ودولية
وختمت حداد بالتأكيد على أن الموقف العربي والدولي مطالب بالانتقال من بيانات الإدانة إلى ربط التطبيع والمصالح الاقتصادية بسلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة. وأشارت إلى أن أوروبا مطالبة بتحديد دورها بوضوح، والتحول من لغة القلق إلى إجراءات عملية، تشمل التمييز الصريح بين إسرائيل والأراضي المحتلة في جميع الاتفاقيات، واتخاذ خطوات تقلص من وتيرة الاستيطان.
وأكدت أن ما يحدث اليوم ليس تصعيدًا عابرًا، بل إعادة هندسة شاملة للصراع، حيث تعيد إسرائيل تشكيل مستقبل الضفة الغربية إداريًا قبل أي حل سياسي، محذرة من أن غياب تحول فلسطيني وعربي جدي في أدوات الاشتباك سيؤدي إلى تثبيت مرحلة انتقالية نهائية من الاحتلال المؤقت إلى الضم الدائم المقنّع.










