في خطوة سياسية ذات دلالات عميقة، أثار موضوع ختم “دولة فلسطين” على جوازات سفر الفلسطينيين المارين عبر معبر رفح الحدودي مع مصر نفوذًا وخشية جديدة داخل الدوائر الرسمية في تل أبيب. هذا الختم، الذي أعدته السلطة الفلسطينية ضمن تحديث وثائقها واعتماد اسم “دولة فلسطين” بدلًا من السلطة الفلسطينية استنادًا إلى قرار الأمم المتحدة عام 2012، صار موضع جدل في أعلى مستويات الحكم الإسرائيلي، حتى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كلف بدراسة استبداله بصيغة سياسية بديلة تُقلّل من ما يعتبره الاحتلال إشارات سيادية فلسطينية واضحة.
دولة فلسطين وهواجس الاحتلال
تتمثل المخاوف الإسرائيلية في أن عبارة “دولة فلسطين”، التي تظهر على جوازات السفر عند الخروج أو الدخول عبر المعبر، تمثل إقرارًا ضمنيًا بسيادة فلسطينية. في أعين صانعي القرار في إسرائيل، أي اعتراف صريح من جهة تنفيذية بهذا المصطلح هو مقدمة لاعترافات سياسية أو ضغوط دولية لاحقة قد تستخدم الختم كمرجع في المحافل الدولية أو كحق متداول من قِبل فلسطينيين عند السفر خارج قطاع غزة.
خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، أشار رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) ديفيد زيني إلى أن الفلسطينيين الذين يعبرون معبر رفح يحصلون على ختم يحمل عبارة “دولة فلسطين” على جوازاتهم، ما أثار تساؤلات وانتقادات داخل الفريق الأمني حول ما إذا كانت هذه الصيغة تعكس مشاركة للسلطة الفلسطينية في إدارة المعبر أو مجرد إجراء روتيني.
اقتراح صيغة بديلة: “مجلس السلام”
ردًا على هذه المخاوف، كلف نتنياهو الجهات المختصة بدراسة إمكانية استبدال عبارة “دولة فلسطين” بختم يحمل اسم “مجلس السلام”، وهو كيان أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 يناير/ كانون الثاني الماضي كجزء من خطة سياسية أوسع تتضمن ترتيبات للمرحلة الانتقالية في غزة.
هذا المقترح يعكس رغبة الاحتلال في وضع صيغة سياسية محايدة لا تحمل دلالات سيادية فلسطينية، وربط الختم بـهيكل دولي أو إقليمي يُباع كخيار سياسي جديد بدلاً من الاعتراف الرسمي بـ“دولة فلسطين”.
أبعاد سياسية وإسرائيلية داخلية
الجدل لم يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل امتد إلى الدوائر السياسية داخل إسرائيل. وزير النقب والجليل زئيف إلكين طرح أسئلة حول تفاصيل تشغيل المعبر، بما في ذلك من يدفع رواتب العاملين، في حين أثارت وزيرة الاستيطان موضوع الأختام ورموز السلطة الفلسطينية في إدارة غزة.
وفي الداخل الإسرائيلي، عبّر بعض قادة المعارضة عن نظرة أقل حساسية، حيث اعتبروا أن الأمر لا يستحق كل هذه الضجة، بل قالوا بالفم الملآن إن على إسرائيل “الاعتراف وجوازات السفر بدلاً من الجدل حول الأختام”.
السياق الأشمل للجدل
يقع هذا الجدل في سياق الاحتلال الطويل لمعبر رفح منذ مايو 2024، بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني منه في خضم الحرب على غزة، وإعادة فتحه مؤخرًا حركةً للأفراد فقط بشكل محدود للغاية منذ 2 فبراير/شباط. قرار إعادة التشغيل، الذي كان جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، واجه تأخيرًا وتنازلاً من قبل الاحتلال، ما عزز الإحساس الفلسطيني بأن أي شكل من أشكال الاعتراف بسيادته أو رموزه يثير حساسية شديدة لدى القيادة الإسرائيلية.
ختم دولة فلسطين
إن الهواجس الإسرائيلية من ختم “دولة فلسطين” تظهر بوضوح أن الاحتلال لا يقف عند حدود السيطرة العسكرية فقط، بل يمتد لمرحلة الهيمنة على الرموز السياسية والهوية الوطنية. محاولة استبدال الختم بصيغة مثل “مجلس السلام” ليست مجرد تعديل شكلي؛ بل هي محاولة لتفتيت كل ما يحمل دلالة سياسية فلسطينية مستقلة، وتحويل أي تفاعل فلسطيني دولي إلى إطار يُسيطر عليه الاحتلال وشركاؤه.
هذا الجدل يعكس أيضًا تضادًا واضحًا، ولو غير معلن، بين الواقع الميداني الفلسطيني الذي يسعى للاعتراف بحقوقه الرمزية والسيادية، وبين الخطاب الإسرائيلي الذي يسعى إلى إخفاء أو تهميش هذه العلامات السياسية لصالح حلول تُرضي أجندات داخلية وخارجية










