4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إسرائيل تفتح باب التهجير المقنن بسحب الجنسية وترحيل المقدسيين قسراً

وقّع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرارًا يقضي بسحب الجنسية من فلسطينيين اثنين، تمهيدًا لترحيلهما إلى قطاع غزة، في أول تنفيذ عملي لتعديل قانوني أُقر عام 2023.

بقلم: أخبار ومتابعات
١١ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
القانون الإسرائيلي لسحب الجنسية يشمل نحو 850 أسيرا فلسطينيا في خطوة تعد نموذجا أوليا لتوسيع تطبيقه لاحقا (الصحافة الفلسطينية)

القانون الإسرائيلي لسحب الجنسية يشمل نحو 850 أسيرا فلسطينيا في خطوة تعد نموذجا أوليا لتوسيع تطبيقه لاحقا (الصحافة الفلسطينية)

وقّع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرارًا يقضي بسحب الجنسية من فلسطينيين اثنين، تمهيدًا لترحيلهما إلى قطاع غزة، في أول تنفيذ عملي لتعديل قانوني أُقر عام 2023 يتيح تجريد الجنسية أو الإقامة بدعوى تنفيذ عمليات أو تلقي مخصصات مالية من السلطة الفلسطينية. القرار استهدف أسيرين محررين من القدس، أحدهما أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل عام 2024، فيما ينتظر الثاني الإفراج عنه لترحيله مباشرة إلى غزة.

بهذا الإجراء، تنتقل إسرائيل من مستوى التهديد التشريعي إلى التطبيق التنفيذي، ما يحوّل النص القانوني إلى سابقة ميدانية قابلة للتكرار. الأخطر في هذه الخطوة أنها تمس مكانة المواطنة نفسها، وتحولها من حق قانوني ثابت إلى أداة مشروطة بالسلوك السياسي وفق تعريف الاحتلال.

القرار لا يقتصر على حالتين فرديتين، إذ أعلنت وزارة الحرب الإسرائيلية أن ملفات قانونية تُعد لمئات الحالات الإضافية، ما يشير إلى نية توسيع نطاق التطبيق. بذلك، يصبح الترحيل جزءًا من سياسة منهجية، لا إجراءً استثنائيًا معزولًا.

هندسة قانونية للإبعاد

التعديل الذي أقره الكنيست في فبراير 2023 يمنح وزير الداخلية صلاحية التوجه إلى المحكمة بطلب سحب الجنسية أو الإقامة الدائمة ممن أُدينوا بعمليات أو تلقوا مخصصات مالية. وقد صوّت لصالحه 94 عضوًا مقابل معارضة محدودة، في دلالة على إجماع سياسي واسع داخل الائتلاف الحاكم.

القانون صيغ ضمن إطار “مكافحة الإرهاب”، لكنه يتجاوز العقوبة الجنائية إلى إعادة تعريف الانتماء القانوني ذاته. فبدل أن تنتهي العقوبة بانقضاء الحكم، يُضاف إليها عقاب مدني دائم يتمثل في نزع المواطنة أو الإقامة، بما يحوّل العقوبة إلى وضع وجودي.

من منظور القانون الدولي، يثير الإجراء إشكاليات عميقة تتعلق بحظر الحرمان التعسفي من الجنسية ومنع النقل القسري للسكان. كما يفتح الباب أمام إعادة استخدام أدوات قانونية لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية تحت غطاء قضائي.

ترحيل إلى غزة

اختيار قطاع غزة وجهة للترحيل يحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز البعد القانوني. فالقطاع يعيش ظروفًا إنسانية كارثية بفعل الحرب والحصار، ما يجعل الترحيل إليه بمثابة عقوبة إضافية تتصل بالبيئة القسرية لا بالمكان فحسب.

الترحيل الداخلي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يثير تساؤلات حول تعريف “الداخل” و”الخارج” في السياق القانوني الإسرائيلي. إذ يُعامل المقدسي أو الفلسطيني من أراضي 1948 كمواطن يمكن إسقاط انتمائه، ثم نقله إلى منطقة تُصنَّف أمنيًا ككيان معادٍ.

بهذا المعنى، يتحول الإبعاد إلى أداة فصل جغرافي وسياسي، تعمّق الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتعيد إنتاج معادلة الفصل بين غزة وبقية الأراضي الفلسطينية كخيار بنيوي لا ظرفي.

سحب الجنسية.. عقوبة بعد العقوبة

الأسيران المستهدفان أنهيا أو يوشكان على إنهاء محكوميتهما الطويلة، ما يعني أن الدولة أضافت عقوبة مدنية بعد استنفاد العقوبة الجنائية. هذا التراكب يطرح إشكالية مبدأ عدم ازدواج العقوبة، ويجعل من المواطنة امتيازًا قابلًا للإلغاء.

تحويل السلوك السياسي أو الانتماء الوطني إلى معيار لاستمرار المواطنة يخلق نموذجًا جديدًا للعلاقة بين الدولة والأقلية الفلسطينية. فبدل أن تكون المواطنة إطارًا قانونيًا ثابتًا، تصبح مشروطة بولاء سياسي أحادي.

هذا التحول يضع فلسطينيي الداخل أمام معادلة قاسية، حيث يمكن أن يتحول أي نشاط أو اتهام إلى مدخل لفقدان الحق القانوني في البقاء في مسقط الرأس.

سياسة ردع جماعي

تصريحات نتنياهو بأن “آخرين كثيرين على الطريق” تكشف أن الهدف يتجاوز الردع الفردي إلى رسالة جماعية. فالخطاب المصاحب للتنفيذ يوحي بأن القانون أداة ردع سياسية تستهدف بيئة اجتماعية بأكملها، لا أشخاصًا محددين فقط.

التلويح بإعداد ملفات لمئات الحالات يعزز هذا الانطباع، ويحوّل القانون إلى وسيلة ضغط مستمرة. في سياق تصاعد اليمين المتطرف داخل الحكومة، يُقرأ القرار كجزء من مشروع أوسع لإعادة تعريف حدود المواطنة الفلسطينية داخل إسرائيل.

سياسة الردع هذه قد تؤدي إلى توتير العلاقة بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين، الذين يشكلون أكثر من خمس السكان، وتعمّق الإحساس بأن المواطنة ليست إطار مساواة بل أداة ضبط سياسي.

أبعاد ديموغرافية عميقة

يحمل القرار بعدًا ديموغرافيًا لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراع. فإبعاد مقدسيين أو فلسطينيين من أراضي 1948 إلى غزة يسهم في تقليص الوجود الفلسطيني في مناطق حساسة سياسيًا وديموغرافيًا.

هذه السياسة تعيد إلى الواجهة مفهوم “الهندسة السكانية” عبر أدوات قانونية بدلًا من القوة العسكرية المباشرة. فبدل التهجير الجماعي الصريح، يجري استخدام القضاء والتشريع لإحداث تغييرات تدريجية في البنية السكانية.

في هذا الإطار، لا تبدو الحالات الحالية سوى بداية لمسار قد يتوسع إذا لم يواجه بضغوط قانونية ودولية جدية.

اختبار للنظام الدولي

السابقة الجديدة تمثل اختبارًا لقدرة النظام الدولي على التعامل مع سياسات تجريد الجنسية والنقل القسري. فالمواثيق الدولية تحظر الحرمان التعسفي من الجنسية، كما تقيّد عمليات الإبعاد القسري، خاصة في سياقات الاحتلال.

لكن فعالية هذه المعايير تعتمد على الإرادة السياسية للدول الكبرى وآليات المساءلة الدولية، وهي عوامل شهدت تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. وفي ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات متزامنة، قد تمرّ هذه الخطوة دون ردع فعلي.

إذا تحولت سحب الجنسية إلى أداة سياسية قابلة للتكرار، فإن ذلك لن يقتصر أثره على الحالة الفلسطينية، بل سيؤسس لنموذج قد تستلهمه دول أخرى في نزاعاتها الداخلية.

مفصل تصعيدي جديد

قرار سحب الجنسية والترحيل إلى غزة لا يمثل مجرد تطبيق لقانون داخلي، بل يشكل تحوّلًا نوعيًا في إدارة الصراع. فهو يجمع بين العقوبة الجنائية والعقوبة المدنية والإبعاد الجغرافي، في صيغة تعيد تعريف حدود الانتماء القانوني والسياسي.

الخطورة لا تكمن فقط في التنفيذ الحالي، بل في تكريس المبدأ الذي يسمح للدولة بإعادة صياغة هوية مواطنيها وفق اعتبارات أمنية وسياسية. ومع إعلان نية توسيع التطبيق، يصبح القرار نقطة مفصلية قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة والفلسطينيين داخلها.

في حال استمرار هذا المسار، فإن المواطنة ذاتها قد تتحول إلى ساحة صراع مفتوحة، حيث يُعاد تعريفها لا كحق متساوٍ، بل كأداة ضمن هندسة سياسية أوسع للصراع الممتد.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

إسرائيل تفتح باب التهجير المقنن بسحب الجنسية وترحيل المقدسيين قسراً - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°