جاءت زيارة بنيامين نتنياهو المستعجلة إلى واشنطن في توقيت حساس تزامن مع مؤشرات على تقدم المسار التفاوضي غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. تسريع موعد اللقاء مع دونالد ترامب لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل خطوة تعكس خشية إسرائيل من بلورة تفاهم لا يراعي سقفها الأمني المرتفع.
الزيارة، التي قُدمت ثمانية أيام عن موعدها المعلن سابقًا، أكدت أن تل أبيب ترى في أي اتفاق محتمل نقطة تحوّل استراتيجية، لا مجرد تسوية تقنية للملف النووي. فبالنسبة لنتنياهو، لحظة التفاوض قد تعيد رسم ميزان الردع في المنطقة بصورة لا يمكن التراجع عنها لاحقًا.
من هنا بدت الزيارة أقرب إلى محاولة “اعتراض سياسي” لمسار تفاوضي يتقدم بعيدًا عن الرؤية الإسرائيلية، أكثر من كونها اجتماعًا دوريًا بين حليفين تقليديين.
قمة تحت الضغط
لقاء نتنياهو – ترامب في البيت الأبيض، وهو السابع منذ عودة ترامب إلى الرئاسة مطلع 2025، جاء في لحظة حساسة تزامنت مع تقارير عن تقدم في محادثات غير مباشرة بين واشنطن وطهران في مسقط. التوقيت المتسارع كشف عن قلق إسرائيلي عميق من احتمال بلورة اتفاق أمريكي–إيراني محدود لا يراعي المطالب الإسرائيلية القصوى.
نتنياهو سعى إلى وضع “مبادئ إسرائيل” على طاولة النقاش، وعلى رأسها إدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ونشاط طهران الإقليمي ضمن أي اتفاق. غير أن هذه المطالب تصطدم بموقف إيراني معلن يرفض توسيع إطار التفاوض خارج الملف النووي.
الهوة بين الرؤية الإسرائيلية التي تميل إلى إضعاف النظام الإيراني، والمقاربة الترامبية التي تفضل صفقة قابلة للتسويق داخليًا، تضع العلاقة الثنائية أمام اختبار دقيق.
هاجس الاتفاق المحدود
تتخوف إسرائيل من سيناريو اتفاق يركز حصريًا على تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات، دون معالجة الصواريخ الباليستية أو دعم الحلفاء الإقليميين لإيران. تقديرات مراكز أبحاث أمريكية مثل مجلس العلاقات الخارجية (CFR) تشير إلى أن السماح بتخصيب منخفض مقابل قيود فنية قد يُنظر إليه في واشنطن كحل عملي، لكنه في تل أبيب يُعد تنازلًا خطيرًا يمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا.
مؤسسة RAND حذرت بدورها من أن اتفاقًا ضيقًا قد يتيح لإيران إعادة بناء قدراتها الصاروخية التي يُقدّر أنها قد تصل إلى ما بين 1800 و2000 صاروخ في المدى المنظور. هذه الأرقام تغذي الخطاب الإسرائيلي الذي يصنف الصواريخ كتهديد “وجودي”، وليس مجرد ملف تقني قابل للاحتواء.
أما معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) فيرى أن “الصفقة النووية الضيقة” تمثل الكابوس الاستراتيجي لتل أبيب، لأنها توفر لإيران “أكسجينًا سياسيًا واقتصاديًا” دون تفكيك بنيتها الردعية الإقليمية.
براجماتية ترامب
مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي تلاحظ أن إدارة ترامب الثانية تتبنى نهجًا براجماتيًا قائمًا على الصفقات، لا على إعادة هندسة الأنظمة. ووفق تحليل آرون ديفيد ميلر، فإن دعم ترامب لإسرائيل ليس غير مشروط، بل تحكمه حسابات المصلحة الأمريكية أولًا، بما في ذلك الرغبة في تجنب حرب إقليمية مكلفة.
فيما أشار المجلس الأطلسي (Atlantic Council) إلى أن طهران تناور عبر مقترحات “خلاقة” لتخفيف الضغط دون تقديم تنازلات جوهرية، مستفيدة من ميل ترامب إلى تسجيل إنجاز تفاوضي. هذا التوجه قد يهمش المطالب الإسرائيلية بتفكيك “محور المقاومة” كجزء من أي اتفاق.
مؤسسة بروكينغز بدورها لفتت إلى أن إدارة ترامب قد ترى في السماح بتخصيب محدود تحت رقابة صارمة ثمنًا مقبولًا للاستقرار، ما يعني عمليًا تقليص قدرة إسرائيل على فرض “فيتو غير معلن” على المسار التفاوضي.
حدود نفوذ نتنياهو
رغم كثافة اللقاءات بين نتنياهو وترامب، فإن الخبراء يجمعون على أن القرب الشخصي لا يساوي نفوذًا مطلقًا. إدارة ترامب تتبنى مقاربة “أمريكا أولًا”، حيث تُقاس التحالفات بمدى خدمتها للمصلحة الأمريكية المباشرة. هذا يضع سقفًا واضحًا للتأثير الإسرائيلي حين تتعارض الأولويات.
معهد الشرق الأوسط (MEI) يشير إلى أن اعتماد إسرائيل شبه الكامل على الحماية الأمريكية يعزز موقعها الثنائي، لكنه يضعف قدرتها على المناورة دوليًا. في حال مضت واشنطن نحو صفقة محدودة مع إيران، قد تجد تل أبيب نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: القبول باتفاق ناقص أو التصرف منفردة بمخاطر استراتيجية عالية.
تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تحذر من أن الضغط الإسرائيلي العلني لعرقلة التفاوض قد يرتد سلبًا، عبر تصوير إسرائيل كعامل تعطيل في استراتيجية ترامب العالمية، خاصة إذا كان الرئيس الأمريكي يسعى إلى تخفيف الانخراط العسكري في الشرق الأوسط.
معادلة الدعم المشروط
استطلاعات رأي داخل إسرائيل تظهر تأييدًا واسعًا لترامب، ما يعزز قناعة نتنياهو بأن العلاقة الشخصية رافعة استراتيجية. لكن داخل الولايات المتحدة، تشير تحولات داخل الحزب الديمقراطي والأوساط الشبابية إلى تآكل الإجماع التقليدي المؤيد لإسرائيل، وهو ما قد يقيد هامش المناورة على المدى المتوسط.
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين نتنياهو وترامب قائمة على تقاطع مصالح مرحلي، لا على تطابق استراتيجي كامل. فبينما يسعى نتنياهو إلى منع أي اتفاق لا يشمل تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية، يركز ترامب على تحقيق صفقة يمكن تسويقها كإنجاز دبلوماسي يجنّب الولايات المتحدة حربًا جديدة.
زيارة نتنياهو المستعجلة، رغم مخاطرها القانونية والرمزية، تعكس إدراكًا بأن لحظة التفاوض قد تحدد شكل التوازن الإقليمي لسنوات مقبلة. غير أن حدود النفوذ الإسرائيلي داخل البيت الأبيض تظل رهينة معادلة واضحة: التأثير ممكن ما دامت المصالح متطابقة، لكنه يتقلص سريعًا حين يقرر البيت الأبيض رسم مساره منفردًا.









