19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: المِنطَقَةُ والبلادُ على شَفيرِ النّار… حَربٌ تُحضَّرُ في الظِّلّ وشُعوبٌ تُدفَعُ إلى الهاوِيَة

تَعيشُ المِنطَقَةُ العربيّةُ اليومَ أَخطَرَ مَراحِلِها منذُ عُقود، لَم يَعُدِ التَّصعيدُ السّياسيُّ والعسكريُّ مُجرَّدَ رَسائلَ مُتبادَلة، بل أَصبَحَ مَسارًا تَصاعُديًّا يُقَرِّبُ الجميعَ من حافّةِ الانفِجار

بقلم: د. ليون سيوفي
١٢ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
23 مشاهدة
المنطقة العربية

المنطقة العربية

تَعيشُ المِنطَقَةُ العربيّةُ اليومَ أَخطَرَ مَراحِلِها منذُ عُقود، لَم يَعُدِ التَّصعيدُ السّياسيُّ والعسكريُّ مُجرَّدَ رَسائلَ مُتبادَلة، بل أَصبَحَ مَسارًا تَصاعُديًّا يُقَرِّبُ الجميعَ من حافّةِ الانفِجار. حُروبُ الوِكالة، الضُّغوطُ الدّوليّة، والانقساماتُ الدّاخليّة، صَنَعَتْ بِيئةً قابلةً للاشتعال في أيِّ لَحظة.

التَّوتُّرُ المُتسارِعُ بين القوى الإقليميّة والدّوليّة لم يَعُدْ صِراعَ نُفوذٍ تَقليديًّا، بل مُواجهةً مَفتوحةً على كُلِّ الاحتمالات. رَفعُ الجَهوزيّةِ العَسكريّة، تَحريكُ القَواعِد، فَتحُ المَلاجئ، وتَكثيفُ المناورات، ليست استعراضًا، بل مُؤشِّراتُ تَحضيرٍ لحربٍ مُحتَمَلة.

المِنطَقَةُ اليومَ تُدارُ بمَنطِقِ حافّةِ الهاوِيَة. لا أحدَ يُريدُ الحربَ علنًا، لكنَّ الجميعَ يَدفَعُ باتّجاهِها سرًّا. كُلُّ طرفٍ يَختَبِرُ قُدرةَ الآخَر على الاحتمال، وكُلُّ خطأٍ صغيرٍ في الحِساب قد يُشعِلُ مواجهةً لا يُمكِنُ السَّيطرةُ عليها.

يُروَّجُ لِحَديثٍ عن أَسلِحةٍ غيرِ تَقليديّة، وحُروبٍ إلكترونيّة، وتَشويشٍ على مَنظوماتِ المُراقبة. قد يكونُ بعضُ ذلكَ حَربًا نَفسيّة، لكنَّ الأخطَرَ أنّ المِنطَقَةَ دَخَلَتْ مَرحلةَ كَسرِ المُحرَّمات. وعندما تُكسَرُ الخُطوطُ الحَمراء، يَتَراجَعُ العَقلُ وتَتقدَّمُ الفَوضى.

أمّا البلادُ العربيّةُ كَكُلّ، فهي تَعيشُ حالَةَ انكِشافٍ تاريخيّ. دُوَلٌ مُنهَكة، جُيُوشٌ مُستنزَفة، شُعوبٌ مُرهَقة، واقتصاداتٌ على حافّةِ الانهيار. من العراق إلى سوريا، ومن اليمن إلى فلسطين، ومن الخليج إلى لبنان، الجميعُ عالِقٌ في لُعبةِ المصالحِ الدّوليّة. لا سيادةَ حقيقيّة، ولا قرارَ مستقلّ، ولا حمايةَ للشُّعوب.

البلادُ العربيّةُ اليومَ ليست أطرافًا في الصِّراع، بل ساحاتٍ له. أجواؤها مُستباحة، حدودُها مُخترَقة، قرارُها مرهون، وثرواتُها مُهدَّدة. يُرفَعُ شِعارُ “الأمن” و“الدّيمقراطيّة”، فيما الحقيقةُ هي إعادةُ رَسمِ النُّفوذ، وتَوزيعُ المَصالِح، وتَحويلُ الدُّوَل إلى كياناتٍ هشّة تابعة.

وفي قلبِ هذا المشهد، يقفُ لبنانُ في موقعٍ بالغِ الخُطورة. جَنوبُهُ مَكشوف، حُدودُهُ مُلتهِبة، وبِقاعُهُ مُتداخِلٌ في حِساباتٍ إقليميّةٍ أكبرَ منه. أيُّ مُواجهةٍ واسِعةٍ ستَضعُهُ في خَطِّ النّارِ الأوّل، عسكريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

لبنانُ المُنهَكُ ماليًّا لا يَملِكُ قُدرةَ تَحمُّلِ حربٍ جديدة. بُنيتُهُ التَّحتيّةُ هَشَّة، اقتصادُهُ مُنهار، دَولتُهُ ضَعيفة، وانقِسامُهُ الدّاخليُّ عَميق. ومع ذلك، لا يزالُ بعضُ المسؤولين يَتصرَّفون وكأنَّ البلدَ خارجُ دائرةِ الخطر.

الخَطرُ الحقيقيُّ لا يَكمُنُ فقط في الصَّواريخ، بل في ما يَليها: نُزوح، فَوضى أمنيّة، شَلَل اقتصاديّ، وانفِجار اجتماعيّ قد يَفتَحُ البابَ أمامَ مَشاريعِ تَفكيكٍ طويلةِ الأمد.

السِّيناريو المُرجَّحُ ليسَ حربًا شامِلةً مِنذُ اللَّحظةِ الأولى، بل سِلسلةَ ضَرباتٍ مُتبادَلةٍ تَتدَحرَجُ سريعًا. لكنَّ التّاريخَ يُؤكِّدُ أنَّ الحُروبَ الكبرى تبدأُ غالبًا بخَطأٍ صغيرٍ في الحِساب.

نحنُ أمامَ مَفترَقٍ تاريخيّ، إمّا أن تَستَعيدَ الشُّعوبُ وعيَها، وتَفرضَ مَشروعَها الوطنيَّ، وتَحصِّنَ دُوَلَها، وإمّا أن تَبقى رهينةَ صِراعاتِ الآخرين، ومَصالحِهم، وحُروبِهم.

إذا اندَلَعَتِ الحرب، لن يكونَ السُّؤالُ: مَنِ انتصر؟
بل: مَن دَفَعَ الثَّمن؟
والجوابُ معروفٌ ... الشُّعوب.
المِنطَقَةُ والبلادُ على شَفيرِ النّار،
والتّاريخُ لا يَرحمُ الغافلين.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير